د. محمد عمر دولة*
لا ريبَ أنَّ الرحمةَ مِن أعظمِ الصِّفاتِ في الوُجُود، حتى سَمَّى الله عز وجلَّ بها نفسَه الشريفَةَ ووصفَ بها ذاتَه الكريمة في مَواضِعَ عدةٍ من التنزيلِ الحكيم؛ فقال عزَّ وجَلَّ: (تَنْزِيلٌ مِن الرحمنِ الرحيم) ، [1] وقال جَلَّ جَلالُه عن كِتابِه العزيز: (ولقد جِئناهم بكتابٍ فصَّلْناه على عِِلمٍ هُدىً ورحمةً لقوم يؤمِنُون) ، [2] وقال سبحانه في صِفَةِ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم: (وما أرْسَلْناك إلا رَحْمةً للعالَمِين) . [3]
والرحْمةُ هِبَةٌ مِن الله للعَبد؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الرحمنُ الرَّحِِيمُ المنعِمُ المتفضِّلُ بكلِّ أنواعِ الرحمةِ. وكلُّ خَيرٍ يُصِيبُهُ العبدُ فمن رحمةِ الله، حتى ما يتقرب به العبدُ إلى ربه؛ فمَرَدُّه إلى رحمةِ الله وفَضلِه؛ لِشِدةِ حاجةِ العبدِ إلى التوفيقِ والتيسيرِ والتسديدِ، كما قال الله عزَّ وجَلَّ: (فبما رَحمةٍ مِن الله لِنْتَ لهم ولو كنتَ فظًا غليظَ القَلبِ لانفَضُّوا مِن حَولِك) . [4]
فالوِقايةُ والحفظُ مِن السيئاتِ.. من رَحْمَةِِ الله وحدَه، كما قالت ملائكة الرحمن وهي تستغفر للذين آمنوا (وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمتَه وذلك هو الفوز العظيم) . [5]
والعِصمةُ رحمةٌ من عند الله؛ وليست لأحد إلا الله عز وجل، كما قال نوح صلى الله عليه وسلم لابنه حين قال: (سآوي إلى جبلٍ يَعصِمُني من الله قال لا عاصِمَ اليومَ مِن أمرِ الله إلا مَن رَحِم) . [6] وصلَّى الله وسلم على نبيِّ الله يوسف فقد قال وهو المعصومُ: (وإلا تَصْرِفْ عني كيدَهن أصْبُ إليهن وأكُنْ من الجاهِلِين فاستجاب له ربُّه فصرفَ عنه كيدَهن إنه هو السميع العليم) . [7]
والنجاةُ مِن سَخطِ الله والإجارة من عذابِه.. رحمةٌ من الله دون سواه، كما قال الله عز وجل:
(قل إني أخاف إنْ عَصيتُ ربي عذابَ يومٍ عظيمٍ من يُصْرَفْ عنه يومئذٍ فقد رحمه وذلك الفوز المبين) . [8] وقال جلَّ جلاله: (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومَن مَعي أو رحمنا فمَن يُجِير الكافرين مِن عذاب أليم) . [9]
وكَشفُ الضُّرِّ رحمةٌ من الله، كما قال الله عز وجلَّ: (ولو رحمناهم وكشَفْنا ما بهم من ضُرٍّ لَلَجُّوا في طغيانهم يعمهون) . [10] وقال سبحانه: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشفَ له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) ؛ [11] وقال جلَّ جلاله في سياق الامتِنان: (أمَّنْ يُجِيبُ المضْطرَّ إذا دعاه ويَكشِفُ السُّوءَ ويَجعلُكم خُلَفاءَ الأرضِ أإلهٌ مع الله قليلا ما تَذَكَّرُون) . [12]
ومغفرة الذنوب.. رحمة من عند الله؛ ليست لأحدٍ سواه تبارك وتعالى، كما قال أبونا آدم عليه السلام: (ربَّنا ظلَمْنا أنفُسَنا وإنْ لم تَغْفِرْ لنا وتَرْحَمْنا لنكونَنَّ مِن الخاسِرِين) . [13] وقال نوح عليه السلام: (وإلا تغفرْ لي وترحمني أكن من الخاسرين) . [14] وقال قوم موسى عليه السلام لما سُقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا: (لئن لم يَرحَمْنا ربُّنا ويَغفِرْ لنا لنكونن من الخاسرين) . [15] وقال عز وجل: (يُعَذِّبُ مَن يشاء ويَرحَم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماءِ وما لكم من دون الله من وليٍّ ولا نصير) . [16]
وما أحسن ربط النبي صلى الله عليه وسلم رحمة المخلوق برحمة الخالق، ورحمة الدنيا برحمة الآخرة كما روى البخاري عن عمر قال: (قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبيٌ، فإذا امرأةٌ من السبي تحلب ثديها تسقي إذ وجدت صبيًا في السبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: أتُرَون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها) .
فشتان بين رحمة الخالق والمخلوق! كما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (جعل الله الرحمة في مائة جزء. فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا. وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا. فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) .