فهرس الكتاب

الصفحة 22186 من 27345

ومن أعظم الرحمات تفريج ما يكون يوم القيامة من الكربات والناس أجمعون محبوسون في العرصات، كما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدنو من أحدكم ربّه حتى يضعَ كنفه عليه فيقول: عملتَ كذا وكذا، فيقول نعم. ويقول: عملت كذا وكذا. فيقول: نعم. فيقرّره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) وفي رواية: (أتعرف ذنب كذا وكذا) وفي رواية أخرى (اقرأ صحيفتك فيقرأ ويقرّره بذنبٍ ذنبٍ. ويقول: أتعرف؟ أتعرف؟) ، وفي حديث أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم آخر أهل الجنّة دخولًا الجنّة وآخر أهل النار خروجًا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة. فيقول: اعرضوا عليه صغار ذنوبه. فيقال: عملتَ يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا. فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر وهو مُشفِق من كبار ذنوبه أن تُعرَض عليه. فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: ربّ قد عملتُ أشياء لا أراها ههنا. فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه) . وفي حديث ابن مسعود فرحة الرجل الذي ترفع له شجرة فيسأل الله أن يدنيه منها على أن لا يسأله غيرها، فإذا أدناه منها سأله غيرها مرّتين، حتى (ترفع له شجرة عند باب الجنّة هي أحسن من الأوليين. فيقول: أي ربّ أدْنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا ربّ هذه لا أسألك غيرها. وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها. فإذا أدناه منها فيسمع أصوات أهل الجنّة فيقول: أي ربّ ادخلنيها. فيقول: يا ابن آدم ما يَصْرِيني منك؟ [17] أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها. قال يا ربّ أتستهزئ مني وأنت رب العالمين. فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ فقيل: ممّ تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ممّ تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت ربّ العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قدير) .

ولله دَرُّ صاحبِ الظِّلالِ حينَ قال:"مِنْ رَحمةِ الله أنْ تُحِسَّ بِرَحمةِ الله؛ فرحمةُ اللهِ تَضُمُّك وتَغْمُرُك وتَفِيضُ عَلَيْك؛ ولَكِنْ شُعُورُك بِوُجودِها هو الرَّحمةُ، ورَجاؤك فيها وتَطَلُّعُك إليها هو الرَّحمةُ، وثِقَتُك بها وتَوَقُّعُها في كلِّ أمْرٍ هو الرَّحمة... ورَحمةُ اللهِ لا تَعِزُّ على طالبٍ في أيِّ مكانٍ وفي أيِّ حالٍ؛ وَجَدَها إبراهيمُ عليه السلام في النارِ، ووَجَدَها يوسف عليه السلام في الْجُبِّ كما وَجَدَها في السِّجن. ووَجَدَها يونسُ عليه السلام في بطنِ الْحُوتِ في ظُلُماتٍ ثلاث. وَوَجَدَها موسى عليه السلام في اليَمِّ وهو طِفْلٌ مُجَرَّدٌ مِنْ كلِّ قُوةٍ ومِن كلِّ حِراسةٍ، كما وَجَدَها في قَصرٍ فرعون وهو عَدُوٌّ له مُتَرَبِّصٌ به ويَبحثُ عنه. ووَجَدَها أصْحابُ الكهفِ في الكهفِ حين افْتَقَدُوها في القُصُورِ والدُّورِ، فقال بعضُهم لِبَعضٍ: (فَأْوُوا إلى الكَهفِ يَنْشُرْ لكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِه) ، [18] ووَجَدَها رسولُ اللهِr وصاحبُه في الغارِ والقومُ يتبعونَهما ويَقُصُّون الآثار، ووَجَدَها كلُّ مَن آوَى إليها يائسًا مِن كلِّ مَنْ سِواها؛ مُنقطِعًا مِن كلِّ شُبْهَةٍ في قُوةٍ ومِن كلِّ مَظِنَّةٍ في رَحمةٍ؛ قاصِدًا بابَ اللهِ وَحْدَه دُونَ الأبواب". [19]

[1] فصلت 2.

[2] الأعراف 52.

[3] الأنبياء 107.

[4] آل عمران 159.

[5] غافر 9.

[6] هود 43.

[7] يوسف 33-34.

[8] الأنعام 15-16.

[9] الملك 28.

[10] المؤمنون 75.

[11] الأنعام 17.

[12] النمل 62.

[13] الأعراف 23.

[14] هود 47.

[15] الأعراف 149.

[16] العنكبوت 21-22.

[17] أي ما يقطع عني مسألتك؟

[18] الكهف 16.

[19] في ظلال القرآن 22/2923.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت