تناول الدرس الإنسان باعتباره حجر الأساس في قضية التحرير فالأساس هو تحرير الإنسان من العبودية لغير الله وهي أنواع عديدة فصلها وذكر مايدل عليها من القرآن والسنة .
يجب أن نعلم أن حجر الأساس هو الإنسان، فإذا وجد الإنسان الصادق، المؤمن؛ فهذا يعني أننا سرنا في خطوات صحيحة لتحرير الأرض، إذًا لابد أن نتكلم عن تحرير الإنسان قبل أن نتكلم عن تحرير الأرض، أما عن تحرير الأرض، فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده.وموسى عليه الصلاة والسلام يقول لقومه عندما قالوا له:
قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [129] { [سورة الأعراف] وقال تعالىوَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [105] [سورة الأنبياء] فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده، ويجب أن تخضع لحكم الإسلام، فالنظام الدولي الممكن الصحيح الذي يقبل به الإسلام هو النظام التالي:
الوحدة الإنسانية: باعتبار الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب ولافضل لأبيض على أسود، ولا لعربي على عجمي إلا بالتقوى.. لا يميز جنس عن جنس، ولا لون عن لون.
الوحدة الإيمانية: وهي وحدة الاختيار، فالإنسان لا يختار اللون، أو العرق، وإنما يختار الدين فالوحدة الإيمانية هي أساس الوحدة العالمية، وعلى هذا الأساس يقوم النظام الدولي الوحيد الذي يعترف به الإسلام، وهذا النظام في الوقت نفسه هو النظام العادل.
والهدف الأكبر هو تحرير الإنسان من العبودية لغير الله تعالى، وهذا الإنسان يمكن أن يصنع الفتوح، ويصنع الاقتصاد والسياسة، يقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [56] { [سورة الذاريات] وهناك أوثان كثيرة تخضع الإنسان للطاغوت، الذي أصبح يملك اليوم كل شيء عكس ما كان بالأمس، مثلًا: إذا قارنت بين الحياة اليوم والحياة بالأمس؛ لوجدت أن الحياة في القرون السابقة كان يسيطر الطغاة على جانب واحد فقط، ففرعون- مثلًا - يسيطر على المال والقوة، ولكن بعد ذلك قد يكون للناس فرص كثيرة جدًا أن يتصرفوا فيها بخاصة أنفسهم، ولكن في هذا العصر لم تعد القضية السيطرة على المال، أو القوة فحسب، بل أصبحت كما يقول بعض الكتاب: هيمنة من شهادة الميلاد الى شهادة الوفاة، كل شئون الحياة أصبحت محكومة مضبوطة.
أما إذا كان الحكم صالحًا فهنا حدث ولا حرج، فإن كل هذه الأشياء ستوظف لصالح الإنسان: تصحيح عقله، وقلبه، ومشاعره.. تمكينه من العبودية لله وحده . وهو بالمقابل إذا كان فاسدًا فإن هذه الأشياء كلها تتحول الى وسائل؛ لتعظيم فلان وغير ذلك، فمثلا:
الإعلام: يسخر لتحرير الإنسان إذا كان صالحًا، أما إذا كان فاسدًا، فيقتصر على تمجيد الحاكم، والثناء عليه، ويتستر على أخطائه.
الاقتصاد: فإنهم يأخذون الأموال بحجة أنها ملك الدولة، ولكنها تنصب في جيبه، أو جيب ابنه؛ فتضيع مصانع الدولة، ومزارعها، وأراضيها
الأمن: إنما وضع لحفظ ممتلكات الناس، وحقوقهم، ولكن بحكم الطغاة يتحول إلى التمهيد للسلطان في الأرض.
أنواع العبودية:
العبودية لله: وهي تستغرق كل الحياة: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [162] لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [163] "سورة الأنعام" فالصلاة والنسك، والحياة والممات لله تعالى في حس المسلم.. الأمر كله لله؛ فالإسلام دين يهيمن على كل حياة الأمة، وكل حياة الفرد .
العبودية للطاغوت: ومقابل العبودية لله هناك منهج الطاغوت الذي يجعل العبودية لا تقتنع باليسير بل تستغرق كل حياته، حتى الأنصاب والتماثيل في الشوارع؛ فالطاغوت لا يعف عن شيء، وهناك أمثلة منها:
أن سارة لما جاءت مع إبراهيم عليه السلام، ودخلا مصر [ بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ...] ومع أنه عنده الكثير من الجميلات، وهذه امرأة واحدة، ولكن أحب أن يستأثر بها [...فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتْ اللَّهَ فَأُطْلِقَ ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ ...] رواه البخاري ومسلم وأبوداود وأحمد . فهو لم يعف عنها مع كثرة نسائه.