أما يزال من بيننا من هو غارق في جلد الذات فينسب الصورة المشوهة عن الإسلام في الغرب وما أدت إليه من تجذير عداوته للإسلام .. ينسبها إلي سوء العرض منا بدلا من سوء القصد منهم ؟ إمعانا لا في جلد الذات فحسب ولكن في تجميل التابع لصورة المتبوع مما يعود بالتجميل علي الطرفين ؟
ليست القضية أن المسلمين هم المسئولون عن عداء الغرب لهم ، حيث يسيئون عرضهم للإسلام ... ولكنها علي العكس من ذلك ، أنهم في الغرب يتجاوزون سوء العرض هذا - مع التسليم بوجوده - ويفهمون عرضيته أوجانبيته أوهامشيته ، ويذهبون إلي عمق علاقتهم بالحضارة الإسلامية ؛ باعتبارها خطرًا موضوعيًا علي حضارتهم . إنه من السطحية والسذاجة ــ إن لم يكن من التآمر ــ أن يظن البعض منا أن المسألة ترجع إلي طريقة عرض الإسلام... وتنتهي المشكلة .
وإلا فإنه في كل دين ، وفي كل مذهب ، وفي كل نظرية ، وفي كل أيديولوجية هناك من يسئ العرض ، ولا أحد من غير الهازلين يتوقف عند أولئك الذين ينبتون علي هامش هذه الأديان والمذاهب ممن يسيئون العرض ؛ جهلًا أو قصدًا .... في المسيحية هناك من يسئ العرض . وفي الديموقراطية هناك من يسئ العرض . وفي الليبرالية هناك من يسئ العرض . وفي الاشتراكية هناك من يسئ العرض . ولا تكون هناك نهاية المطاف .
ويبتلي الإسلام بمن يسئ العرض من المبشرين والمستشرقين والجهلاء .. تمامًا كما هو الحال مع غيره ، لكنه هو وحده الذي يقولون عنه: لولا سوء العرض ...
يا سادة: لا تضيفوا إلي سوء العرض منا سوء الظن بهم !!!...
يا سادة: إن في الغرب رجالًا يحققون ، ويدققون ويذهبون إلي المصادر الأصلية ، كعلماء وخبراء وفلاسفة ، وإعلاميين ، واستراتيجيين ....فما هي القضية إذن ..
ليست القضية إذن قضية سوء فهم ، نشأ من سوء عرض .. فما هي القضية إذن: ؟
القضية أنهم هناك يدركون الخطر الموضوعي الذي يأتيهم من انبعاث الحضارة الإسلامية مرة أخري ، ثم يذهبون يشوشون علي منطلقاتهم وأهدافهم ويستأجرون العملاء من سماسرة الثقافة والإعلام ليشيعوا مقولات ساذجة تبعدنا عن أصل المشكلة وتضللنا عن جوهر القضية .
وإلا فقولوا لنا هل كان أرنست رينان المستشرق الفرنسي الشهير متأثرًا بسوء عرض الجهلاء منا للإسلام وهو يقدم كراهيته للإسلام في ذورته الأكاديمية: إذ يقول في خطاب افتتاحي في الكوليج دوفرانس حول تصنيف الشعوب السامية في تاريخ الحضارة ..( . الشرط الأساسي لتمكين الحضارة الأوربية من الانتشار هو تدمير كل ماله صلة بالسامية الحقة: تدمير سلطة الإسلام الثيروقراطية ، لأن الإسلام لا يستطيع البقاء إلا كدين رسمي ، وعندما يختزل إلي وضع دين حر وفردي فإنه سينقرض . { برافو } هذه الحرب الدائمة، الحرب التي لن تتوقف إلا عندما يموت آخر أولاد إسماعيل بؤسا ، أو يرغمه الارهاب { أي إرهاب يعني ؟!! } علي أن ينتبذ في الصحراء مكانًا قصيا .
الاسلام هو النفي الكامل لأوربا ، الإسلام هو التعصب ، الإسلام هو احتقار العلم ، القضاء علي المجتمع المدني ، إنه سذاجة الفكر السامي المرعبة ، يضيٌق الفكر الإنساني ، يغلقه دون كل فكرة دقيقة دون كل عاطفة لطيفة ، دون كل بحث عقلاني ، ليضعه أمام حشو سرمدي:"الله هو الله".المستقبل هو إذن لأوربا ولأوربا وحدها ، ستفتح أوربا العالم ، وتنشر فيه الدين الذي هو الحق، الحرية ، احترام البشر ، هذا الاعتقاد القائل بأن ثمة شيئًا ما إلهيًا في صلب الإنسانية { عقيدة التجسد !! } ) !! أنظر كتاب"الإسلام اليوم لمارسيل بوازار"بحث الحبيب الشطي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي ووزير خارجية تونس الأسبق صـ 34 ــ 35 طبعة 1986 ــ اليونسكو .
فهل تريدون منا أن نصدق ان أرنست رينان تأثر بسوء العرض منا ؟
أو فقولوا لنا لماذا يكتب"باول شمتز"المستشرق الألماني المعروف مثلًا في كتابه"الإسلام قوة الغد العالمية"ــ قبيل الحرب العالمية الثانية ــ ليُحذر من تواكب الحركة الإسلامية مع الحركة القومية الإسلامية"وما يمثله ذلك من خطر محدق بالغرب !! يقول المؤلف ( إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوربا ، وهتاف يجوب آفاقها يدعو إلي التجمع والتساند الأوربي لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو ويزيل النوم عن عينيه. فهل يسمع الهتاف أحد ؟ ألا من يجيب ) .انظر كتابه"الإسلام قوة الغد"ترجمة د. محمد عبد الغني شامة صـ 356"