فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
لقد تأثر المسلم اليوم تأثَّرًا كبيرًا بتاريخ العمل الإسلامي في القرنين الأخيرين، وبخاصة القرن العشرين، بكل ما حمل العمل الإسلامي من عاطفة البذل دمًا ومالًا، ومن الخطأ والصواب، ومن الفرقة والتمزّق.
لقد كان التأثَّرُ فكريًّا ونفسيًّا، وكان يختلف من فئة إلى فئة، ومن رجل إلى رجل، ومن مرحلة إلى مرحلة، ومن بيئة إلى بيئة.
وكان لاضطراب الفكر والتصوّرات وتناقضها، وكثرة الآراء والفتاوى وتصادمها، أسوأ الأثر على نفوس الناشئة وعقولهم وآمالهم.
وكان لكثرة الشعارات واختلافها تأثير آخر. وزاد التأثير سوءًا حين استمرَّتْ الشعارات تُدوّي حتى بُحَّتْ الحناجر، ثمَّ انكشفت الشعارات بعد عشرات السنين عن هزائم وفواجع، وعن سقوط الديار وضياع الثروات، وعن كثرة القيل والقال، وانعكس ذلك في نفوس كثيرة إلى إحباط يقترب من اليأس.
ومما كان له أثر كذلك عدم معرفة الأخطاء وعدم الاعتراف بها إذا عُرِفَتْ، وعدم معالجتها، حتى تراكمت أكوامًا تحجب الرؤية السليمة وتزيد النفوس إحباطًا.
كثير من المسلمين الذين يُصلُّون ويؤدُّون الشعائر، رضوا بأن يؤدُّوا الشعائر ثم يقبعوا في بيوتهم لا يبالون بما يجري من حولهم، إلا بمجالس الشكوى والتذمّر، ونقد الآخرين والعتب على هؤلاء وهؤلاء، دون أن يسألوا أنفسهم ماذا عملوا هم أنفسهم. يريدون أن يعمل غيرهم ليظلّوا هم قابعين يقتلون وقتهم دون إنتاج في الحياة يخدم الأمة أو الدين. أو يقتلون الوقت بأعمال متفلتة، أو عمل جامد متوقف ! أو عمل مخالف لدين الله يحمل الفتنة وبذور الشرّ.
وجاءت أمور بعد أمور تلهي المسلم عن واجباته الشرعية والتكاليف الربانية بألف وسيلة ووسيلة، حتى انغمس الكثيرون في أسباب اللهو والتلهّي والانصراف عن الجد، والانصراف عن الآخرة إلى الدنيا تحت شعار الإسلام!
وكثيرون يفرغون نشاطهم في أمور لا تحتل المرتبة الأولى في الواجبات والتكاليف، ولكنَّها الأيسر والأدنى، والأبعد عن جديّة المسؤوليات. يأخذون ببعض السنن ويتركون الواجبات والفرائض.
إذا جاء رمضان المبارك امتدت الولائم واشتدَّ الإسراف، وهرع مئات الألوف إلى العمرة، ولا بأس في ذلك لو لم يتركوا واجبات هي في دين الله أحقُّ بالوفاء.
وظنَّ الكثيرون أنَّ الدعوة الإسلامية هي انتماء لهؤلاء أو هؤلاء. ومن خلال هذا الانتماء تتجمّع الحشود والأعداد الغفيرة، وتتنافر مع حشود أخرى وأعداد غفيرة، وتتمزّق الجهود، ويدور الصراع، وينعكس ذلك كله على نفوس كثيرة من المسلمين، ينعكس بصورة سلبية تزرع النفور والإدبار عن العمل والبذل، وتضيع مصالح المسلمين بين الكبر والاستكبار، والجهل والغفلة.
وما عانى منه العمل الإسلامي من ابتلاء بعد ابتلاء ومحن بعد محن، وارتجال بعد ارتجال، وعاطفة هائجة بعد عاطفة، في أجواء التفلّت والعصبية الجاهليّة المحرّمة، كل ذلك زرع في بعض النفوس الخوف والتردد والعزوف.
وظنَّ بعضهم أن العمل الإسلامي والدعوة الإسلامية تربية فحسب، أو دراسة فحسب، وتلاوة كتاب الله أو حفظه، ودراسة ما يكتبه رجال جماعتهم أو حزبهم، عازفين عما يكتبه مسلمون آخرون ليسوا من جماعتهم ولا من حزبهم. فنشأت بذلك اتجاهات فكرية متنافرة تحت شعارات متقاربة، وهاجت فتن وفتن.
وأصبح العمل الإسلامي يكاد يجمّد كثيرًا من الطاقات وهي تخضع لا شعوريًّا إلى العوامل السابقة، من إحباط ويأس، وخوف وتردد وحَيْرة. واكتفى الكثيرون بالتلاوة أو شيء من الدراسة مع الشعائر، وأقبلوا على الدنيا يعطونها وقتهم وجهدهم ومالهم، ويفرغون فيها آمالهم الحقيقية، ويعطون للإسلام أماني عاطفية، وأوهامًا وأحلامًا، وهم غارقون فيما غرقوا به، خدعوا أنفسهم بمسوّغات زيّنها لهم الشيطان وجنوده من الإنس والجنّ.
ولو أن أحدهم وقف مع نفسه وسأل: ماذا بذلت لنصرة دين الله وقد انتسبت إلى دعوته وحمل رسالته ؟! لو سأل نفسه هذا السؤال لوجد أنه بذل بذلًا لا يقيم دعوة ولا ينصر دينًا، ولو قارن بذله مع ما يبذله الذين انتسبوا إلى دعوات التنصير وغير التنصير لعرف الفرق الهائل بين البذلين، ولأدرك حقيقة الفرق الهائل بين ما حققه هو ومن معه وبين ما بلغه أولئك!
ومضى الحال على ذلك سنين طويلة، حتى اعتاد الملايين من المسلمين الركون إلى الدنيا وأحلامها الوردية، والركون إلى ما هم عليه من جهد ميّت وبذل جامد وركود. وحسبوا أن ذلك هو الدعوة الإسلامية.
وعندما يرون النهج والخطة ويعتقدون أنَّ فيه الحياة والنجاة، فمنهم من يحوّل العمل إلى عواطف وارتجال بما استقرَّ في نفوسهم من ذلك من ضغط الواقع،أو إلى شعارات تثير الفتن، وتوهن القوى، دون أن يُتابعوا النهج أو الخطة، ودون أن يلتزموا، ويظلّ شياطين الإنس والجنِّ يزيّنون لهم أعمالهم. وتصبح الأعمال فردية متناثرة.