منال المغربي
إذا تأمّلنا في واقعِ المرأة اليوم نجدْ أنّها في حَاجة أكثر من أيِّ وقتٍ مَضى إلى إِعادةِ بلورةِ شخصيتها مِنْ جديد (فكريًّا وروحيّا ًوسلوكيًّا) وفِقَ التصوْرالإسلامي الصحيح والمنهج الربّاني القََويم حتى تتمكّن مِنَ القِيامِ بدورها الخطير في المجتمع وهو: بناء جيلٍ محَرّرٍ من كل ما يعُوقُه عن الانطلاق نحو تحقيقِ العزّةِ والنصر والتمكين للأمّة الإسلاميّة. ولأهميّة دورها هذا عَرَض القرآن الكريم في سورةِ آل عِمران قصّةَ (أمٍّ) قَلّ نظيرُها في أيامنا هذه، وهي امرأة عِمران عليها السلام لتكون قدوة لغيرها من النساء على مرّ التاريخ، فقال تعالى:
(( .. إذ قالت امرأة عِمران ربِّ إنّي نذرتُ لك ما في بطني محَرّرًا فتقبّل مني إنّك أنت السميع العليم. فلمّا وضعتْها قالت ربِّي إني وضعتُها أنثى واللهُ أعلم بما وضعتْ وليس الذكرُ كالأنثى وإنّي سميتُها مريمَ وإني أُعيذها بكَ وذريتَها من الشيطان الرجيم . فتقبّلها ربُّها بقَبولٍ حَسَنٍ وأنبتها نباتًا حَسَنًا... ) ).
فمنْ هي امرأة عِمران؟
هي حِنّة بنت فاقوذ بن قبيل، وقد ذكر ابن كثير والطبري وغيرهما أنّها كانت عجوزًا لا تحبل، فبينما هي في ظلِّ شجرة نظرتْ إلى طائر يُطْعم فرخًا له، فدعتْ الله أن يهبَ لها ولدًا، ونذرتْ لله إنْ حَمِلتْ لتجعلنَّه محَرّرًا - أي حبيسًا في خِدمة بيت المقدس -، فحملتْ بمريم، وأثناءَ حَمْلها توفي زوجها عِمران. ولقد ذكرَ كثير مِنَ المفسّرين أنّ أمّها حين وضعتها لفّتها في خِرَقها، ثمّ خرجتْ بها إلى المسجد، فسلّمتها إلى العبّاد الذين هم مقيمون فيه.
من خِلال قصتها هذه نستشف أنّ حِنّة كانتْ نموذجًا:
-للمرأة المؤمنة العابدة الشاكرة، ويتجلّى ذلك بكَثْرةِ مناجاتها لله، وتَضرعها إليه كي يرْزقها ولدًا، وأنْ يَتقبّل منها نذيرها، وأنْ يُبارك لها في وليدتها، ويُعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم.
-نموذجًا للمرأة المُجابة الدعاء، وهذا إنْ دلّ على شيء فإنّه يدل على عُمْقِ إيمانها وإخلاصها لله عزّوجل، ويبدو ذلك باستجابةِ الله لدعائها بأنْ رَزَقها ولدًا رغم كِبَر سنها.
-مِثْالًا للمرأة التي فهِِِمتْ المعنى الحقيقي للحريّة التي لا تكون إلا بالتحرّر منْ عُبوديّة ما سوى الله عزّوجل، ويتجلّى ذلك من خلال نذْرها أنْ يكون مولودها محرّرًا، قال مجاهد: (إنّ المحرّر هوالخالص لله عزّ وجل، لا يَشُوبه مِنْ أمر الدنيا ولا يُشْغله شاغل عن عِبَادةِ الله) .
-نموذجًا للمرأة التي تَسْتَشْعرعِظَم مسؤولياتها تُجاه أولادها، مِنْ ناحية تربيتهم التربية الحَسَنة ليس فقط دنيويًا بل دينيًّا وأخلاقياًّ، فأوّل ما فكّرت به حِنّة أََثناء حمْلها وبعدَ وَضْعِها أنْ يكون وَلدها عبْدًا مؤمنًا صالحًا، وإِعداده ليخدم دين الله عزّوجل.
-نموذجًا للمرأة الحريصة على ابنتها كلّ الحِرص، ويظْهر ذلك منْ خِلال دعائها لله عزّ وجل أنْ يُعيذها وذريتها مِنَ الشيطان الرجيم.
-نموذجًا للمرأة الطَّموحة التي تحمل همًّا، فامرأة عِمران لم تقْتصر اهتماماتها في الحياة على إنجابِ الأطفال بل كانتْ تطمحْ أنْ يكون وليدها خادمًا لبيت المقدِس، بل أكثرمن ذلك: أنْ يكون نبي ذلك الزمان كما ذكرتْ بعض التفاسير.
-نموذجًا للمرأة الحكيمة الواعية بعيدة النظر، فحِنّة لم تمتعضْ من إنْجابها مريم لأنّها (أنثى) بل لعلْمها أنّ (التحرير) في شريعتها لم يكن جائزًا إلا بحقِّ الغِلْمان لِما يعتري الفتاة مِنَ الأحوال ما يَحول بينها وبين البقاء في المسجد من: (الحيض، أو النفاس عند الولادة) ، ولمعرفتها المُسْبقة بطبيعةِ كل من المرأةِ والرجل، فالذَّكَر يصْلح للخدمة لقوتِهِ وشدّته؛ بالإضافة إلى ذلك لا يَلْحَقه عيبٌ في الخدمةِ والاختلاطِ بالناس عكس المرأة التي"لا ينبغي أن تكون مع الرجال"كما قالتْ حِنة، ولقد ذَكَرَ هذه العبارة الطبري في تفسيره.
ومن قِصّة حِنّة نستخلص العديد من الفوائدِ والعِبر:
-حُسن اختيار أسماء الأولاد- وهذا ما فعلتْه امرأة عِمران التي سمّت ابنتها مريم-، الذي يعني بلغةِ قومها (العابِدة) أو (خادمة الربّ) - لأنّ هذا من حَقِّّ الولد على أهْلِهِ-، ومِنَ الأفضل أنْ يكون الاسم إسلاميًّا عربيًّا، ولا سيما اليوم بعد أن كَثُرت الأسماء التي لبستْ ثوب الغرب، التي تدلّ على الهزيمةِ النفسيّة.
-الدعاء للأولاد كما كانتْ تَفْعل حِنّة، وتجنْب الدعاء عليهم.
-الفرح بولادةِ البنات، وعدم التبرّم بقدومهن؛ ففضل تربية البنات لا يَخْفَى كما أكّدتْ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
-تكريم البنات، الذي لا يكون إلا بِحُسْنِ تربيتهن وِفْقَ ما يحبّه الله ويرضاه، ومِنْ مظاهر هذا التكريم أنّ امرأة عِمران لم تتراجعْ عن الوفاءِ بِنَذْرِها رَغم إِنْجَابها فتاة، كما أنّ العُبّاد تنازعوا فيها أيُّهم يكْفلها.