وأخرج الإمامان أحمد وأبو داود من خبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس , فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع"وهو حديث حسن (سنن أبي داود رقم 4782 , في الأدب باب مايقال عند الغضب مسند أحمد 5/152) .
وأخرج الإمام أبو داود من حديث أبي وائل القاص بن عبد الله الصنعاني قال: دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجل فأغضبه , فقام فتوضأ , فقال: حدثني أبي عن جدي عطية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء , فإذا غضب أحدكم فليتوضأ"وهو حديث حسن (سنن أبي داود رقم 4784 , في الأدب , باب مايقال عند الغضب وأخرجه الإمام أحمد 4/226 ) .
فهذه توجيهات نبوية كريمة في مجالي القول والعمل لتخفيف الغضب وتجفيف منابعه, فالقول أولا بالاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم , لأن الشيطان يحضر ساعة الغضب فيحاول أن يوسوس في قلب المسلم ليقول مالا يحسن ويتصرف بما لايليق , ولابد عند الاستعاذة من حضور القلب وذلك بتذكر عظمة الله تعالى وهيمنته على كل شيء , فإن زال الغضب وإلا فإن على الغاضب أن يغير من حاله التي هو عليها فإن كان قائما فليجلس فإن ذهب الغضب وإلا فليضطجع , وذلك لأن لحظات الغضب ثوان معدودات فإذا غير الإنسان من وضعه فإن هذه الثواني تنقضي قبل أن يتصرف بما لايليق , فإن كان الغضب مستحكمًا إلى حد أنه لم ينفع معه ذلك فإن عليه أن يذهب ويتوضأ , وهذا فيه إرغام للشيطان وإبطال لكيده , كما أن المدة التي سيقضيها الغاضب في الوضوء كافية لإزالة كل آثار الغضب .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة عليهم السلام يحضرون مجالس الخلاف التي تقع بين المؤمنين فيثبِّتون المؤمنين بتسكين قلوبهم ويسددونهم نحو السلوك الأفضل , فإذا استجابوا لنداء النفوس الغضبية فردوا على مخالفيهم بمثل ذلك الكلام الذي أغضبهم غادرتهم الملائكة وحضر الشيطان , وفي هذا المعنى أخرج الإمام أبو داود من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر فآذاه , فصمت أبو بكر , ثم آذاه الثانية فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثالثة فانتصر منه أبو بكر , فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتصر أبو بكر فقال أبو بكر: أوَجدتَ عليّ يارسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك:فلما انتصرت وقع الشيطان,فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان" ( سنن أبي داود رقم 4896 - 4897 , الأدب , باب في الانتصار . وهو حديث حسن) .