محمد المجذوب
تعقيب على ميمية الشاعر عمر أبي ريشة
شاعرَ الشهباءِ.. عذرَ iiالقلمِ
ذلك الصوتُ الذي iiأرسلتَه
صيحةٌ قد توقظُ الأمةَ iiلو
راعك الحاضرُ من iiأوجاعها
وازدهاك الأمسُ iiفاستقبلتَه
حُلُمٌ مات على جفنِ iiالرُّؤى
عبثًا تنفخُ في النار فما
وسُدى تصرخُ في القومِ iiإذا
.. حبذا عتبُك لولا iiأنه
رُبَّ لومٍ جاوزَ الظلم iiإذا
شعبُك المنكودُ لم يأثمْ iiبما
ورث الروح التي عزَّت iiبها
وانتضى العزمَ الذي دانتْ iiله
غيرَ أن الله لم يَرْدُدْ له
قلبَ الدهرُ به الأقدارَ iiفالـ
كم"مثنّى"تحت أطمارِ iiفتى
عصبَ البطنَ من الجوعِ iiوقد
يقحم الموتَ إلى المجدِ iiعلى
آثر النارَ على العارِ فلم
.. فيلقٌ لو كان فيه iiخالدٌ
سلْ به (شرتوكَ) أو iiأجنادَه
لم يكونوا غير شِلوٍ iiللظُّبى
هَدَمَ الساسةُ ما شادَ القنا
لا تقلْ"لم يشتفِ الثأرُ"فما
إنه الغدرُ، وما iiأقتلَه
أسلم"اللدَّ"إلى iiجَلاّدِها
ولقد يركب أشلاءَ iiالحمى
.. بل هو الوهن الذي قد iiبثّه
زَيّنَ العجزَ لهم حتى iiلقد
أطمع الذئبَ بآساد iiالشرى
فإذا"النَّقبْ"جحيمٌ iiوإذا
حشدَ الخصمُ iiلحرَّاسِهما
فشبول النيلِ تلقى iiوحدَها
جَمَدَ الإخوةُ عن iiنجدتها
فاستمعْ حمحمةَ الخيلِ، iiوقد
يتلظون على صهواتِها
لو أُزيح الغلُّ عن iiأعناقهم
.. ذلك الشعب الذي iiجَرَّعتَه
لم يزل مطمحَ أنظارِ iiالعلى
إن يكن قد هُزمتْ قادَته
شاعرَ الشهباء.. لا يُلوِ الأسى
هذه الأصنامُ مهما iiصَمَدتْ
إنَّ في الأعماقِ بركانَ لظى
لكأني ناظر iiأضلاعَه
فإذا الأرضُ، كما نعشقُ، قد
وإذا (جُنبول) محطوم iiالرؤى
شاعرَ الشهباءِ!.. أرضيتَ iiالعلى
لا نَلُمهم إن رَضوا أو iiغضبوا
نحن مذ كنا قرابينُ الهدى
قد تلاقينا على دينِ iiالإبا
غير أن الدهرَ عاطاك iiالطِّلى
إن تفتك اليومَ نُعمى iiعَرَضتْ
ربما حاربك القومُ iiولم
واعتبرْ بي فحياتي لم تزل
ضيقوا العيش بعينيَّ iiولو
فكأني لم أكن من iiجندِهم
وكأني لم أُذبْ شرخَ iiالصِّبا
فاعذرِ الشعرَ إذا iiكفكفتُه
وإذا ما لذتُ بالستر iiفما
شاعرَ الشهباء.. قد يطغى الدجى
بيدَ أن الفجر آتٍ iiفارتقبْ ... فلقد هِجتَ دفينَ iiالألمِ
نَكَأ الجرحَ ولم iiيلتئم
يلمسُ الشعرُ ضميرَ iiالنُّوَّم
فمزجتَ الدمعَ حزنًا iiبالدم
ثَمِلًا من نخوةِ iiالمعتصم..
فامَّحى إلا خيالَ iiالحُلُمِ
تحتها غيرُ رَمادِ iiالهِمَم
أوقر السامعَ داءُ الصمم
ساق للشعب ضروبَ التُّهمِ
أخطأ الإنصافَ رأيُ iiاللوَّم
ناله من نُوَبِ الدهرِ iiالعمي
يَعربٌ في أمسها iiالمنصرم
في عصورِ الفتحِ هامُ iiالأمم
قادةَ الماضي ذوي الأنف iiالحمي
أُسدُ يرعاها قطيعُ iiالغنم!
ليس في كفيه غيرُ iiالشَّمَم
لفَّ بالخرقةِ نصلَ المِخذَم
تربةِ"المهد"وحول ii"الحرم"
يثنِهِ حكمُ القضاء iiالمبرم
وطِئَ العربُ جباهَ iiالأنجم
هل رَأوا ثمةَ غيرَ iiالضيغم!
لو تولّى السيفُ أمرَ iiالحَكم
فخلا الساحُ لجندِ الكلِم (1)
أعجزَ الثعلبُ ليثَ iiالأجَم
حين يلقاك به ذو الرَّحِم!
وحبا"الرملةَ"كفَّ iiالمجرم
في غد نحو خَسيسِ iiالمغنم
في شيوخ الحكم روحُ iiالهرم
ألبسوا الجبنَ رداءَ iiالحِكَم
وأباح الغِيل iiللمقتحم
موطن"السّبعِ"بأيدي iiالرَّخم
كل ما في صدره من نِقَم
منه دون النقب سيلَ iiالعرم (2)
بينما الأكبدُ تَغلي iiبالدمِ
كبح الفرسانَ عضُّ iiاللُّجم
غضبًا للشرفِ iiالمنثلم
أخرسَ الحقُّ لصوصَ iiالأمم
غُصصً العَتبِ ولما iiترحم
ومناطَ الأملِ المبتسم
فهو الجيشُ الذي لم iiيُهزم
بك فالآمالُ لم تنهدم
سوف يَطويها ظلامُ iiالعدم
مائِرًا باللهب iiالمضطرم
تقذف الكونَ غدًا iiبالحُمَم
طَهُرتْ من منتِناتِ iiالرّمَم
وإذا (سامُ) صريعُ iiالندم
فليَثرْ من شاءَ iiولْينتقمِ
إنها شنشنةٌ من iiأخزم
نهبُ الجَرحى كريمَ iiالبلسم
وتآخينا بظلّ iiالقلم
وسقى روحي نقيعَ iiالعلقم
فأنا المرءُ الذي لم ينعم (3)
يبلغوا ضرَّكَ فاغفر iiواحلم
موضعَ العبرةِ iiللمستلهِم
قَدَروا لم أروَ بل لم iiأطعم
أمسِ في قلبِ الرعيلِ iiالمقدِم
قطراتٍ في سبيل iiالعلَم
إن دونَ الحق جزَّ iiاللِمم
ذاك إلا أن ماءً في iiفمي (4)
ويتيهُ الركبُ في القَفر iiالظمي
طلعةَ النورِ وراءَ iiالظُّلم
الهوامش
(1) إشارة إلى قبول الهدنة التي فرضها النقراشي فأضاعت النصر، وما أشبه الليلة بالبارحة!
(2) ذلك هو حصار الجيش المصري في الفلوجة يومئذ.
(3) إشارة إلى إقالة الشاعر من وفد الأونيسكو إثر إلقائه قصيدته في حفلة نادي الضباط بحلب.
(4) إشارة إلى استتار الناظم إذ نشرت هذه القصيدة بتوقيع"ابن الشعب".