د. محمد بن عبد الرحمن الجهني* 12/9/1425
المقصود من مشروعيّة الصيام تحقيق التقوى، قال سبحانه:"... كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: من الآية183] ، وليس الإمساك عن الطعام والشراب مقصودًا لذاته، ولكنه وسيلة إلى المقصود الذي هو التقوى.
لأن بالإمساك عن الطعام والشراب خفة البدن الذي تصفو به الروح فتتهيّأ للتقوى.
وقد تواردت الأدلة والآثار على الحث على الإقلال من الطعام والشراب وذم الإكثار من ذلك:
قال تعالى:"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا" [الأعراف: من الآية31] .
وقال -صلى الله عليه وسلم-:"ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقُيْمات يُقِمن صُلبَه، فإن كان لابد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه". حديث صحيح من حديث المقدام بن معدي كرب، أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجة من أصحاب السنن وأحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي.
وفي الإسرائيليات: أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السلام فرأى عليه معاليق من كل شيء. فقال يحيى: يا إبليس، ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيد بهن ابن آدم. قال: فهل لي فيها من شيء؟ قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وثقلناك عن الذكر، قال: فهل غير ذلك؟ قال: لا. قال: لله عليّ أن لا أملأ بطني من طعام أبدًا. قال إبليس: ولله عليّ أن لا أنصح مسلمًا أبدًا. (ذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس) .
وقد اتفق العقلاء على ذم فضول الطعام؛ لما يؤدي إليه من ضعف العقل وفساد المروءة وقسوة القلب.
فظاهرٌ أن الإكثار من الطعام والشراب وثقل البدن به مانعٌ عظيمٌ من موانع حصول التقوى وإقبال الروح على طاعة الله واللّجوء إلى جنبه.
ولذا كان الإقلال منهما والاقتصار فيهما على ضرورة البدن من أعظم الوسائل إلى التقوى. ولهذا كان الأمر به دائمًا للعبد المؤمن.
ولما كان العبد-لطبعه البشري- تغلبه الشهوات حينًا والغفلة حينًا والجهل حينًا، ونحو ذلك مما يمنع التزامه بالإقلال من الطعام والشراب، فكان تركه وشأنه في ذلك مظنة لتركه الالتزام بما تتحقق به مصلحة روحه من التخفيف من الطعام والشراب إما على الدوام أو على الغالب فرض الله عليه الأخذ بهذه الوسيلة فرضًا واجبًا في موسم من مواسمه سبحانه المحبوبة إليه ليأطُره إلى مصلحته أطْرًا، وجعل فرضه على نحو بديع من التنظيم يخفّ به البدن حقًا، ويتهيأ تمام التهيّؤ لزاد التقوى.
ومن تمام حكمته سبحانه ورحمته بعباده أن جعل هذا الفرض لمدة محدودة:"...أَيَّامًا مَعْدُودَات..." [البقرة: من الآية184] ، ثم استحبه مطلقًا وأكّد استحبابه في أيام معلومة كالاثنين والخميس والأيام البيض ونحو ذلك مما ورد شرعه سبحانه به.
فكان في صوم الفرض فرصة ثمينة أطَر عليها العبد للوقوف على جليل فائدة الصيام، ثم في صوم الاستحباب مُتّسع للاستزادة من هذه الفائدة والأخذ منها بنصيب أوفى. فإن لم يَزعْ مجرّد الاستحباب النفسَ إلى ذلك ففي تأكيد الاستحباب في مُدَد منظّمةٍ مرتبةٍ وازعٌ أقوى.
ثم لمّا كان إقبال العبد على الاستزادة قد يجنح به إلى الغلوّ، فتنقلب الفائدة مضرة؛ كبح الله لجام تهوّره ففرض عليه حُرمة الوصال مطلقًا، وحرّم عليه الصوم في العيدين وأيام التشريق، وكره منه صيام أيام الدهر كلها وقيّد له أفضل الصوم وأتمه بصيام يوم وإفطار يوم.
لأنّ في الوصال وفي تتابع الصوم الدهر كله إضعاف البدن إضعافًا يمتنع معه على الروح الأخذ بالتقوى، لأن شدة ضعف البدن ينهكها ويذهب بأصل حياتها التي بها آلة نشاطها.
فكان الإكثار من الطعام وترك الصوم قاتلًا الروح -كما الماء الغزير الكثير يقتل الزرع- وكان ترك الطعام أو الأخذ منه دون البُلغة قاتلًا الروح أيضًا -كالجفاف أو ندرة الماء تقتل الزرع- ففي كليهما هلاك الروح وفي الوسط بينهما حياتها. ولقد قيل:"كل فضيلة محاطة برذيلتين الإفراط فيها والتفريط فيها".
فظاهر أن مقصود الصيام ليس ترك الطعام والشراب بل الوصول إلى التقوى والاستواء على كرسيها.
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصائم أن يقول لمن شاتمه:"إني صائم". فلو كان مقصود الصيام مجرد الإمساك عن الطعام والشراب لما كان في هذا بمجرده ما يمنع من تحرك اللسان بالشتم والسب، ولكن المراد إني صائم صومًا يمنعني من التلوث بما يخدش التقوى، ولا يجامعها وهي مقصود الصيام، فهو احتجاج بترك الطعام والشراب على ثمرته وغايته، وكأنه يقول: أنا ما صمت إلاّ لترك السبّ والشتم، وكل ما كان من جنس نواقض التقوى فلن تجرّني إلى اقترافه، وإلا فما معنى صومي؟!