فهرس الكتاب

الصفحة 15361 من 27345

خطبة إبليس في النار ...

قال تعالى: {وقال الشيطان لمّا قُضيَ الأمرُ إنّ الله وعدَكُم وعدَ الحقِّ ووعدّتُكم فأخلفتُكم وما كان ليَ عليكم من سلطانٍ إلا أن دعوتُكم فاستجبْتُم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسَكم, ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمُصرِخِيِّ إنّي كفرتُ بما أشركتموني من قبلُ إنّ الظالمين لهم عذابٌ أليم} .إبراهيم22.

تذكرة:

مما يجب تحريره في تصوّر حقيقة الصراع في هذه الدنيا أن يعلم المسلم أنّ عدوّه الحقيقي هو الشيطان, وهو كائنٌ مخلوق, وما من شرّ في هذه الدنيا إلاّ وهو منبثقٌ من زمزمته وهمزه ولمزه, وهو أستاذ أهل الشرّ, وهو إمامهم وقائدهم, يحادثهم ويحادثونه {يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخرُفَ القولِ غرورًا} ويبثّ فيهم من تعاليمه وأفكاره ما يجعلهم عبادًا لدينه وشريعته.

وقد كتب بعض مشايخنا في تعريف الأمة لحقيقة هذه الصراع وطبيعته وأهدافه وأسلحته كتابًا ماتعًا رائعًا لا ينبغي لطالب العلم أن يفوّت قراءته, هذا الكتاب هو: (عندما ترعى الذئاب الغنم) للشيخ رفاعي سرور, وحتى لا أكرّر ما يقوله فضيلة الشيخ فإنّي أنصح إخواني بقراءته ودراسته, وهو من الكتب القليلة التي تخرجها مطابع اليوم وتستحقّ النظر والاحترام. وكتب الشيخ كلّها نافعة جليلة, منها: قدر الدعوة وحكمة الدعوة, وأصحاب الأخدود. فجزى الله الشيخ خير الجزاء.

هذا العنوان -خطبة إبليس في النار- قاله الإمام العلاّمة أبو الفداء ابن كثير في تفسيره. وفي هذا العنوان -في ظنّي- ما يحتاج إلى بعض المراجعة لتصويب ما يقع في خلد القارئ من تمثّل للطريقة التي يلقي فيها الشيطان خطبته, وهذا التمثّل له أهمّية في تحقيق المعنى النفسي لقارئ هذه الآية العظيمة, فإنّ تصوّر المسلم لخطيب فوق منبر, شامخ بأنفه, دافع لصدره, معتزٌ بنفسه, تلقي ظلالًا من الهيبة على معاني الكلمات التي يخرجها, وتكسب الألفاظ قوّة زائدة, كما هو شأن حركة اليد للخطيب أو المدرّس أو الواعظ.

وهذا الموقف الذي سيخطب فيه الشيطان خطبته ليس فيه أيّ قدر من هذه المعاني, بل هو على الضدّ منها من كلّ وجه. فإذا كان شأن الخطيب أن يخطب على مستمعيه من على فوق درجة أو درجات, فإنّ الشيطان هاهنا يخطب من سفل تحت دركات، وإذا كان الخطيب فوق منبره يقرّر ويعظ ويعلّم, فإبليس هنا يتنصّل ويبكت ويَخزَى ويُخزِي، وإذا كان الخطيب يرفع رأسه ليراه الناس وليكسو ألفاظه معنى الهيبة والقوة, فإنّ إبليس هنا ينكمش ويتصاغر لأن جموع الطالبين بالحقوق منه هادرة غاضبة صادخة وتطلب التفسير والجواب. فإبليس في خطبته هذه قابع في الدرك الأسفل, بل في أسفل دركة, خائب حسير, تلفحه النار والعذاب من كل مكان, وملائكة العذاب تضربه من كلّ جانب, وصراخُ وعويلُ أتباعه تزيده آلامًا فوق ما هو عليه, ورؤيته للفقراء والمساكين الذين كان يستهزئ بهم ويتعالى عليهم وهم ملوك في الجنان تأكل قلبه وتشعل ندمه.

هكذا يجب أن نقرأ هذه الخطبة, وإلا وقعنا في الكثير من الأخطاء في فهمنا لما يقوله الله تعالى

وهذا الذي أقوله مع علمي بما رُويَ عن الحسن البصريّ رحمه الله تعالى أنّه قال: يقف إبليس خطيبًا في جهنّم على منبرٍ من نار يسمعه الخلائق جميعًا فيقول: إنّ الله وعدكم وعد الحقّ.

ولا أدري إلا أن الذي يُطالب من قبل أتباعه أن يُصرخهم (ينقذهم) وينفذ وعوده فينكص ويعترف بكذب وعوده, ويقرّ بعجزه عن عدم نصرتهم, إلا أنّه في الحالة التي وصفت, وعلى كلّ حال فلو صحّ ما قاله إمامنا الحسن رحمه الله فليس فيه إلا أنّه على منبر من نار, ومن يقوم على هذا المنبر باختياره؟ فوجه ما قاله الإمام -والله أعلم- أنّه أُقيم رغم أنفه على منبر محاكمة وعذاب ولم يقم باختياره, فلا يبعد أبدًا عن المعنى الذي قلناه والله الموفّق.

وهذه الآية عن خطبة الشيطان قيلت في كتاب الله تعالى بعدما أخبرنا الله تعالى عن تبرّي الأسياد من الأتباع: {وبرزوا لله جميعًا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنّا كنّا لكم تَبَعًا فهل أنتم مغنون عنّا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص وقال الشيطان..} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت