الخط عربة العلم
بقلم: الأديب الإسلامي معالي الدكتور عبد العزيز عبد الله الخويطر
الرياض ، المملكة العربية السعودية
إنه لا يكفي في الماء أن يكون عذبًا صافيًا ليُقَدَّم للضيف ، أو ليُشْرَب بمتعة على العطش ؛ بل لابد لاكتمال اللذة أن يقدم في إناء نظيف ، وإذا أمكن أن يكون الإِناء بلوريًا فهذا يضيف إلى اللذة في شربه المتعة في النظر إلى إنائه ، ويزيد الكمال كمالًا أن يكون الكأس المقدم بالماء القراح الصافي العذب على"صينية"جميلة فيها إبداع وفن ، ويوغل في الكمال أن يكون من يقدم الماء خادمًا نظيف الثياب ، حسن الهندام ، باسم الثغر ، مؤدبًا.
والعلم مثل الماء ، له إناء يُقَدَّم فيه وهو الخط، وللخط"صينية"يوضع عليها الخط عند تقديمه وهو الورق ، وللعلم والخط والورق كاتب يطلب منه حسن الهندام ، والبشاشة والأدب .
فإذا ما قُدِّمَ الماءُ القراحُ الصافي العذب في إناء قبيح ، أو في وعاء غير نظيف ، أو في"صينية"قذرة، أو بيد متوحشة ، ووجه عبوس ، فإن جزءًا كبيرًا من اللذة يتلاشى ، ومقدارًا وافيًا من المتعة يرتفع ويختفي ، ولا يشرب المرء إلا مضطرًا ، هروبًا من العطش ، وهو هروب من ألم إلى ألم .
وكذلك العلم إذا قُدِّم بخط قبيح ، وكتابة مغلقة ، فإنّ القارئ يعاني الأمرّين ، حتى يفتح مقفلها ، ويبين مبهمها ، وقد يملها ، فيتركها ، ويستغني عنها ، مهدرًا الفائدة ، وغانمًا السلامة . ويجب أن لايعبأ بقول من يقول:"الخط ما قرئ والباقي صنعة"فهذه ملاذ الخائب ، وحجة المقصر؛ لأننا جميعًا - دون استثناء - نرى في أنفسنا أننا نُعْجَبُ بالخط الحسن ، ونفرح بالكتابة الواضحة الجميلة ، ونلتهم ما كتب بخط حسن ، وقد نعيد القراءة لما سبق أن قرأناه ، والفضل لله ثم للخط الجميل في العودة إلى القراءة ، وما يأتي منها من استيعاب أكثر من سابقتها ، ونفهم أعمق لما يريد الكاتب أن يوصله إلى أذهاننا .
وكثيرًا مانصحت طلابي بتحسين خطوطهم، وكنت أدخل عليهم مدخلًا أعرف أنه يؤثر عليهم، وهو الاختبار ، فأبين لهم أن الخَط الجميل يكسبهم درجات ، لأنه المدرس يقرأ براحة خطوطهم ، ويستوعب بتأنّ ما كتبوه ، وهذا يجعله في وضع نفسي لأن يكون كريمًا في درجاتهم ، فهو إن لم يزدهم لم ينقصهم ، وهو إن لم يكرمهم لم يبخسهم حقهم . أما الخط القبيح المبهم ، الذي يدلّ على عدم اعتناء ، فإنه ينفر المدرس ، ويدخله في حالة نفسية تجعله أقرب للمتحفز للجزاء ، ثأرًا للخط ، فبدلًا من أن يتلمس الأعذار للطالب عن التقصير، يتلمس الأخطاء ليأخذ الحق من الطالب مضاعفًا، مبررًا هذا بما يتصوره من عدم اعتناء الطالب ، وإهماله ، فيبرر لنفسه إعطاءه درجة ، أقل من النجاح ، وفي ذهنه أنه ينفعه ؛ لأن هذا سوف ينبهه إلى أهمية الخط أولًا ، وزيادة العلم ثانيًا في الأجازة الصيفية .
أذكر عندما كنت أدرس طلاب السنة الرابعة في كلية الآداب تاريخ المملكة ، أني صححت ورقتين في الامتحان النهائي ، وكانت الأرقام سرية، وأخذ طالبان من بين الطلاب العشرين على ما أذكر الدرجة الكبرى ، وكنت تواقًا أن أعرف من هما ، وكنت انتظر اليوم الذي تخرج فيه النتائج ، ولم يكن شوقي لذلك بأقل من شوق الطلاب أنفسهم ، وعندما خرجت النتائج كان أحد الطالبين اسمه فلان فلانة ، أو هو ساوي ، لا أتذكر جيدًا، والثاني هو الدكتور"عبد الرحمن الشبيلي".
لقد كان خَطهما جميلًا منسقًا منتظم القاعدة، واضح الحروف والكلمة والجملة ، وكان منظر الأسطر والصفحان يجذب النظر كأنك تنظر إلى لوحة فنية ، وجاءت الإِجابة والأفكار فيها تتنافس مع هذا الخط الجذاب الجميل ، فحازا من أجل ذلك الدرجة العليا ، ولو كان فوقها درجة ما قصرا عنها .
والخط هو اللوحة الجميلة التي وُجِدَ الفنُ الإِسلامي فيها متنفسه ، فانصرف الخيرّون إليه بعدًا عن الصور والتصوير ، فوجد ازدهارًا في زمن العباسيين ، ثم زاد ازدهارًا في زمن العثمانيين ، ولانزال نعيش اليوم في كنف ما سنّوه وتركوه ، ولقد تدهور حظ الخط مع الناس اليوم ، فلم تعد العناية به كما كانت سابقًا ، ولم يعد الناس يطلبون الخط الجميل ، فالركض خلف المعلومات المتتابعة الكثيرة المغرقة ، لاهثين ، صرف الناس عن الخط ، الذي لم يعودوا يجدون له وقتًا ، وهو يحتاج إلى وقت وصبر وأناة ، ولم يكن يغري بخدمته أمام هذا العناء إلا النتائج المجزية في نهاية الأمر .
ولكي نعرف بعضًا من أوجه الاعتناء ، والنظرة الحانية لآبائنا إلى الخط ، وما يتصل به ، نقتطف بعض الأخبار والمعلومات عن هذا الجانب في التراث ، غير ملتزمين بالاستقصاء العلمي الدقيق لأي جانب من الجوانب التي نسوقها ، وإنما هي نماذج من هنا وهناك ، نأتي بها بضاعة مزجاة ، لعلها تكون مقنعة لمن يريد أن يستقصي ، وأن تجذبه لأن يعود إلى أخواتها التي لم نذكرها ؛ والاستفادة الجانبية من الكتب التي حملتها طوال هذه السنين أمانة خفيفة جميلة .