فهرس الكتاب

الصفحة 6894 من 27345

وقبل ذلك أودّ أن أذكر أمرًا مهمًا يتعلق بالكتب وطباعتها ، والخط الذي يختار للطبع . لاشك أن الحرف الكبير في الطبع في صفحة باسمة، لم يطل فيها السطر حتى يأكل الحاشية ، ولم يعرض حتى يلتقم الهوامش ، ولم تزدحم فيها الأسطر حتى تبدو مقطبة الجبين ، يجذب القارئ ، ويساعد على القراءة والاستيعاب ، فلا ينتهي من قراءته متعبًا ، ولا يقطعها من أول الطريق .

وتتعارض المصلحة المادية في الطبع ، فيرجح الجانب المالي ، ويراعى وهو في الهامش ، أكثر مما يراعى الهدف الأساس للتأليف ، فيفقد الكتاب فائدته العلمية ، وتضيع مع ذلك المنفعة المقصودة ، ويصبح الكتاب وثيقة مهملة ، لا يقرؤها إلا من يضطر إلى مراجعتها ، لحاجته الماسة إليها ؛ ولكل شيء إخراج وثوب يظهر به ، فإن لم يكن الثوب جذابًا رمى ظلاله على لابسه ، وأطفأ كثيرًا من شمعاته المضيئة . وهذا فن لم يتقنه كثير منا حتى الآن ، مع أهميته ، وتأثيره الكبير على جذب الناس إلى القراءة ، وتحبيبهم لها .

والعناية بالخط في القديم ، والاهتمام به ، وإعطاؤه الدور اللائق به ، والمنزلة التي يستحقها ، متربعًا على مكانة عالية ، ومقام محمود ، لا يناله الأهمال ، ولا يطوله الصد ، ولا يوضع في زاوية النسيان ، يسجل له أبو البركات عبد القاهر بن علي بن عبد الله بن جرادة في الأبيات الآتية نظرته، فيقول:

ما اخترت إلا أشرف الرتب خَطًّا أخلد منه في الكتبِ

والخط كالمرآة تنظرها فترى محاسن صورة الأدب

هو وحده حسب يطال به إن لم يكن إلاهُ من حسب

مازلت أنفق فيه من ذهب حتى جرى فكتبت بالذهب (1)

وكان هناك من اشتهر من الخطاطين ، وعلا شأنه ، وذاع صيته ، وأصبح له طريقة في الخط تُعْرَفُ به ، وتُنْسَبُ إليه ، فيها من الفن ما خالف به غيره ، ومن التميز ما بَزَّ سواه ، والنص التالي يبين لنا طريقتين تنسبان إلى خطاطَين مشهورَين:

"كان عمر بن أحمد (ابن العديم) يكتب النسخ على طريقة أبي عبد الله بن مقلة ، والرقاع على طريقة علي بن هلال ، وخطه حلو جيد ، خال من التكلف والتعسف". (2)

وفي هذا النص فائدة أخرى ، وهو أنه يمثل حلقة لما نعرفه من أن هناك نوعين من الخط هما النسخ والرقعة ، وقد تكشف التسمية هذه بهذه الصيغة الجديدة علينا ، في كلمة"الرقاع"أصل كلمة الرقعة ، وهي الكلمة التي تعودنا على استعمالها دون أن يكون في صيغتها ما يدلّ على سبب تسميتها .

وكان الآباء في الماضي البعيد ، والماضي القريب ، يحرصون على إتقان أبنائهم الخط ، وبعضنا يذكر كيف كان آباؤنا يستغلون الإجازة الصيفية ، فيرسلوننا إلى مدرسة الحلواني في باب"زيادة"وهي مدرسة متخصصة في الخط ، يكتب لنا الحلواني سطرًا ، فنبتعد إلى مكان في الغرفة ، أو في الباحة المجاورة ، ثم نملأ الصفحة ، أسطرًا نقلد بها خطه ، ثم يصحح لنا الخط ، ويعدل لنا ما مال، وهو فضل لأهلنا نذكره اليوم ، ونترحم عليهم من أجله .

وهذا نص قديم يُري عناية أحد الأباء بابنه ، وحرصه على تعليمه تحسين خطه وتجويده ، وسد منافذ العذر التي حاول أن يفتحها ، ليهرب من هذا الواجب الذي وجهه له والده ؛ ولكن الوالد عرف ما يدور في نفسه ، وما يجول بخلده ، فقطع عليه الطريق ، وأبطل عذره ، والمتكلم الواصف للأمر هو ابن العديم ، الوارد ذكره في النص السابق ، وإليك الخبر فيما كان بينه وبين والده:

"قال ابن العديم ..:"

وكان والدي - رحمه الله - يحرصني على ذلك (تجويد الخط) ، ويتولى صقل الكاغد بنفسه ، فإني لأذكره مرة وقد خرجنا إلى ضيعة لنا ، فأمرني بالتجويد (للخَط) فقلت:

ليس ههنا كاغد جيد .

فأخذ بنفسه كاغدًا كان معنا رديئًا ، وتناول شربة اسفيذر (استيفداج) ، وكانت معنا ، فجعل يصقل بها الكاغد بيده ، ويقول لي:"اكتب"ولم يكن خطه بالجيد ، وإنما كان يعرف أصول الخط، فكان يقول لي: هذا جيد ، وهذا رديء..". (3) "

إن أحدنا ليخجل عندما يقرأ هذا الخبر، ويقارن ما جاء فيه بما في حياتنا اليوم ، من توفر وسائل الكتابة من أقلام وورق ، لا تُعَد أنواعها ولاتحصى ، ومع هذا فلا نُلقي بالًا للخط والعناية به ، أما هم فحتى الورق وتهيئته لاستقبال الكتابة يقومون به بأنفسهم ، ولا يبالون بالجهد الذي يبذلونه ، ولا بالعناء الذي يقابلونه .

ولم يضع مجهود هذا الأب المعتني بابنه ، ولم يخسر تعبه في صقل الورق ، وعوض الله الابن الذي ذهب مع والده للضيعة ، للفسحة والراحة ؛ ولكن والده شغله بدرس الخط والتدريب عليه وتحسينه ، فقد أصبح لابن العديم شهرة جاءته مكافأة على ما بذل ، وجائزة على ما تحمل .

والنص الآتي عن ابن العديم:

"وشاع ذكره في البلاد ، وعرف خطه بين الحاضر والباد ، فتهاداه الملوك ، وجُعل مع اللآلئ في السلوك ، وضربت في حياته الأمثال ، وجعل للناس في زمانه حذوًا ومثالًا ؛ فما رغَّب في خطه أنه اشترى وِجْهَةً واحدة بخط ابن البواب بأربعين درهمًا ، ونقلها إلى ورقة عتيقة ، ووهبها من حيدر الكتبي". (4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت