فهرس الكتاب

الصفحة 18283 من 27345

عمق التدين في نفس الانسان.. آثار وملامح

* محمد مهدي الآصفي

للوقف على هذا الموضوع ينبغي أن نفرق بين الفطرة والتقاليد والأعراف والعادات الاجتماعية التي يتوارثها الأبناء عن الآباء، لكي نعرف موضع هذا الشعور والنزوع النفسي من الفطرة أو العادات والتقاليد الاجتماعية.

فليس من شك أن للعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية دورًا في حياة الانسان، وكثير من جوانب حياة الانسان وسلوكه يخضع لسلطان العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية.

ألا أن من المهم أن نعرف أن سلطان العادات والتقاليد في حياة الانسان لا يمتد لأكثر من قشر ظاهر من حياة الانسان وسلوكه، ولا يمتد إلا لفترة تطول أو تقصر من حياة الانسان بينما يمتد سلطان الفطرة إلى أعمق الأبعاد من حياة الانسان وسلوكه وشخصيته، كما ينسحب على كل أجزاء تاريخ الانسان وفترات حياته.

فالحياة الزوجيةم ثلًا حاجة فطرية نابعة من أعماق نفس الانسان تمتد على فترات حياة الانسان جميعًا، ورغم كل التطورات الهائلة التي تعرضت لها حياة الانسانية، لم تختل هذه الظاهرة في حياة الانسان.

وقد تتعرض هذه الظاهرة في حياة الانسان لبعض الضعف لكنها تبقى ثابتة في حياة الانسان.

وقد يتفق أن فردًا أو جماعة من الناس لا يرتبطون بالحياة الزوجية، إلا أن هذا السلوك الفردي ـ الشاذ ـ لا يؤثر في شمول هذه الظاهرة وعمقها في حياة الانسان.

أما الأعراف الاجتماعية التي تتعارف عليها الاجتماعات البشرية في اقامة مراسيم الزوج فهي ظاهرة غير ثابتة في حياة الانسان، تتعرض للتبدل والتغير الدائم، وتختلف من مجتمع الى مجتمع آخر، ومن وقت الى وقت آخر.

وبذلك فان هذه الظاهرة، بما يحيطها من أعراف، وتقاليد اجتماعية، تحتوي على عنصرين، عنصر ثابت لا يتغير، وعنصر متغير خاضع للظروف والمؤثرات الخارجية.

وليس من العسير التمييز بين هذين العنصرين في جوانب سلوك الانسان وحياته.

وبهذا التمييز نستطيع أن نفرق بين ما هو فطرة في حياة الانسان وما هو عرف أو عادة أو تقليد في حياته.

وفي ضوء من هذه التفرقة لا يصعب علينا معرفة ما لو كان التدين نزوعًا فطريًا في شخصية الانسان، أو يندرج تحت بعض هذه الأعراف والتقاليد الاجتماعية، التي تزول وتتغير من وقت الى وقت.

فان نظرة واحدة الى الارتباط الوثيق القائم بين الدين والانسان تكفي للقطع بأن الدين ليس كما يقوله الماديون ظاهرة فوقية في حياة الانسان، وإنما هو حاجة نابعة من أعماق نفس الانسان.

فلم يحدث في وقت من الاوقات أن تخلى الانسان عن الدين بشكل مطلق، ولم يحدث في أمة من الأمم أن تخلت عن الدين بصورة كلية، مهما كان نوع الدين وشكله.

والغريزة الدينية ـ كما في معجم لاروس للقرن العشرين ـ مشتركة بينك ل الأجناس البشرية حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية، وأن الاهتمام بالمعنى الإلهي، وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالية الخالدة للانسان.

وكلّما توغلنا في تاريخ الانسان نجد أن التدين يواكب تاريخ الانسان بصور مختلفة، وأن الذين يشكون في الدين، أو يلحدون بالله تعالى قلة نادرة في كل أدوار التاريخ.

وكلّما تتقدم أعمال الحفر والتقنيب يعثر الانسان على مزيد من آثار المعابد التيك انت مشيدة في العصور الساحقة البعيدة، التي لم يتناولها التاريخ المدوّن.

وهذه الآثار تكشف لنا عن عمق الدين في تاريخ الانسان وحياته، وأن الدين لم يكن حاجة فوقية وهامشية في حياة الانسان.

يقول هنري برجسون: (لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكنه لم توجد قط جماعة من غير ديانة) .

ويقول الدكتور (ماكس نوردوه) عن الشعور الديني: هذا الإحساس أصيل يجده الانسان غير المتمدين، كما يجده أعلى الناس تفكيرًا، وأعظمهم حدسًان وستبقى الديانات ما بقيت الانسانية، وستتطور بتطورها، وستجاوب دائمًا مع درجة الثقافة العقلية التي تبلغها الجماعةز

فالتدين، إذن، يمتد إلى أعماق تاريخ الانسان وينسحب سلطانه عبر هذه المساحة التأريخية الكبيرة إلى حياة الانسان المعاصر.

ورغم التطورات الحضارية التي طرأت على حياة الانسان، طيلة هذه الفترة، لم يحدث أي ضمور في سلطان الدين في حياة الانسان، إن لم يكن قد تضاعف هذا السلطان، وازداد وعي الانسان له، والتفافه حوله.

فلا يزال الإلحاد، ينحصر في أقلية من الناس في حياة الانسان، ولا يزال التدين ينسحب على حياة أكثرية ساحقة من المجتمع البشري.

والغريزة الدينية، كما في معجم لاروس، لا تختفي بل لا تضعف، ولا تذبل إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جدًا من الأفراد.

ولا يزال تأثير الدين وسلطانه في حياة الانسان، على هذا الامتداد الطويل من التأريخ أمتن ما يكون التأثير، وأقوى ما يكون السلطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت