فهرس الكتاب

الصفحة 8278 من 27345

رغداء محمّد أديب زيدان/سوريا

تعتبر الصّحف من أهمّ وسائل التوعية والتثقيف في المجتمع, وكما وصفها المحقق الكبير محب الدّين الخطيب هي"من أعظم القوى الّتي تزجي التّيار الفكريّ في العالم, وهي القوّة الأولى الّتي يمكنها أن تقف في وجه التّيار تدفعه وتغيّر مجراه".

وقد ظهرت في عالمنا العربي والإسلاميّ صحف ومجلّات كثيرة وهامّة, منها مجلّة كانت من المجلّات الّتي حملت لواء التوعيّة والتثقيف وكشف الحقائق وهي مجلّة المنهاج.

أصدر الشّيخ إبراهيم أطفيش مجلّة المنهاج لتكون وسيلته لخدمة العروبة والإسلام, هذا الشيخ المجاهد الّذي ولد ببلدة بني يزقن, إحدى قرى وادي ميزاب, في الجزائر, وذلك سنة 1886م, في بيت علم وفهم, حيث نشأ على حب العلم ورفض الظلم, وقد سافر إلى تونس للدّراسة, وكان له فيها نشاط مميز في محاربة الإستعمار الفرنسي, فانضمّ إلى حزب الحرّ الدّستوري الّذي كان يتزعمه المجاهد عبد العزيز الثّعالبي.

وكان الشّيخ إبراهيم أطفيش يعتبر الزعيم الأوفر شعبية بين أبناء جلدته في تونس, لذلك فقد عمدت السلطة الاستعمارية الفرنسية هناك إلى طرده, و"أصدرت قرارًا بإبعاده عن تونس بتهمة التواطؤ مع الحزب الدستوري التونسي, وحشر أنفه في الأمور التونسية البحتة وهو الجزائري الجنسية". ولم ينتبه هؤلاء المستعمرون إلى حقيقة قائمة في فكر الشّيخ إبراهيم, وفي فكر كلّ عربيّ ومسلم حرّ, وهي وحدة البلاد العربية والإسلاميّة, هذه الرابطة الّتي أرّقت ـ ومازالت تؤّرق ـ المستعمرين, ولا يعرفون الطريق لإزالتها من العقول والنفوس, ومازلنا نلمس سعيهم الحثيث لإلغائها ومحاربتها, بكل الطرق الّتي تخطر على بالهم.

وقد تلّقى الشّيخ إبراهيم هذا القرار بصدر رحب, فهو يؤمن أن بلاد الإسلام واحدة, وهذا لن يمنعه من مواصلة عمله, بل بالعكس سيفتح هذا الإنتقال له أبوابًا جديدة, وسيتعرّف على إخوان يتعاون معهم في خدمة العروبة والإسلام, وقد تلّقى تهنئة طريفة من صديقه الصّحفي الكبير إبراهيم أبي اليقظان, عبارة عن قصيدة جاء فيها:

راموا الإساءة جفوة وسفالة لكنهم قد أحسنوا إحسانا

قد أبعدوه عن المهانة والشقا وإلى السعادة والعلا فعلانا

ونفوه من رقّ إلى حريّة ومن الممات إلى الحياة عيانا

حسب المشاغب إنّ هذا كلّه نفي فطار لأجله جذلانا

لكن تناسى أنّ نفي النفي إثبات فتاه لطيشه ولهانا

وفي القاهرة عمل الشّيخ إبراهيم على إصدار مجلّة المنهاج. وقد استقبله إخوانه في القاهرة بالإجلال والإحترام, فهذا السّيّد محب الدّين الخطيب يقول:"هبط صديقنا الأستاذ العلامّة الشّيخ إبراهيم أطفيش وادي النّيل مهاجرًا إليه من وطنه الجزائر من قبل أن يولد الفتح, واكتسبنا صداقته من السّنة الأولى الّتي اتّخذ فيها الوطن المصريّ وطنًا ثانيًا له. فكنّا نحن وجميع أفاضل المصريين نعجب بصدقه وصلابة دينه, واستعداده للمشاركة في كلّ خير. فما قامت لخير الإسلام جماعة من ذلك الحين, ولا أرسل المنادون إلى الفلاح صوتهم في أمر, إلّا كان أبو إسحاق أطفيش في مقدّمة المعينين على ذلك. ومقالاته المتعدّدة في هذه الصّحيفة الفتح وفي أختها الزّهراء, شاهد على فضله, ودليل على حسن بلائه, في سبيل وحدة المسلمين, جزاه اللّه خيرًا".

باشر الشّيخ إبراهيم عمله في المنهاج بعد سنتين من نفيه إلى القاهرة من تونس, وظهر العدد الأوّل منها في أوّل محرّم سنة 1344 / 1925.وكان يطبعها في المطبعة السّلفيّة بالقاهرة, وقد سمّاها المنهاج"عنوانًا ليعبّر من خلاله عن منهجها الإسلاميّ الواضح, واتجاهها الوطنيّ الصّريح, وقد أوضح ذلك من الآية الّتي كانت تتصدر الغلاف (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًاْ) , وهي مجلّة علميّة, سياسيّة, اجتماعيّة, نصف شهريّة, ولكنّها كانت تصدر شهريًّا لما اعتراها من عوائق ماليّة, وعراقيل إداريّة".

أشتهرت هذه المجلّة بصدق لهجتها, وسلفيّة منهجها, وعربيّة نزعتها, وكانت تهتمّ بأحوال المغرب العربيّ, وتبيّن للمسلمين ما يفعله المستعمرون في تلك البلاد, من أعمال النّهب والسّطو على تراث ومقدّرات تلك البلاد, ومن أعمال التّبشير ومحاربة العروبة والإسلام. وقد كانت وسيلة هامّة لتعريف أهل المشرق العربيّ بأحوال أهل المغرب.

وقد قسّم أبو اسحاق أطفيش المنهاج إلى ثلاثة أقسام: القسم العلمي, والقسم السياسيّ, والقسم الإجتماعيّ. ولكنّ موضوعاتها كانت تتداخل بشكل يصعب فيها الفصل بين هذه الأقسام, وهذا ـ طبعًا, إن دلّ على شيء ـ فإنّه يدلّ على فكر الشّيخ إبراهيم, والّذي كان يؤمن بحاجة الأمّة العربيّة والإسلاميّة إلى نهضة عامّة, ترتبط فيها هذه المجالات مع بعضها ارتباطًا وثيقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت