جويف وتحريف مصطلح (الوسطية والاعتدال)
محمد السيد
1-مكانة المصطلح في الثقافة الإسلامية (1من6)
قال تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) )البقرة 143
وقال جل من قائل: (( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) )الشعراء 84
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) )متفق عليه.
1-مقدمة:
ليسمح لي القارئ أن أقتبس مع بعض التصرف فقرة من مقالٍ كنت قد كتبته منذ سنوات طويلة ونشرته -وقتها- في مجلة"البيان"الإخوانية السورية. فقد قلت يومها: (( على ضوء وسطية من فهم الآخر، صدّق البعض منا مقولة رجعية ديننا وثقافتنا وهم يضحكون، ولا ندري: هل يضحكون من بلادتهم، أم من بكاء يرفعون فوقه لافتة الفرح؟ أم لأن مجموعة الهيمنة العولمية قد جمعت لنا بلهاء العالم الآخرين، يصفقون لانهيارنا المتهدل على كتفي وسطية يريدون بها سيرورة تصل بنا كي نكون خرافًا، يهشون بعصيّهم علينا، فنسمع ونطيع ونتنازل مقابل نظرة.. أيًا كانت تلك النظرة..؟
آه.. مثل قطيع متعب يجوب سهوبًا ناضبة أضحينا، وقد راح الجزّار يُلوِّح له بالقدوم إلى النطع، وكأنه يدعونا إلى بساتين برتقال تتفلت منها خضرة الديار وزهو الرجال، وذلك لنردِّد مع أهزوجتهم الخرقاء بوسطية غابت عنها كل معاني الوسطية والاعتدال، لأنها تريدنا أن نستسلم لانسلال أوطان الإسلام من بين أيدينا قطعة قطعة، مع إنشادنا: نحن الوسطيون لا نملك من الأمر إلا تقديم الخبز للضائعين اللاجئين الذين ديست أوطانهم ونهبت وسرقت. هذه هي الوسطية التي يريدونها، إنها منظومة على مزاج الغزاة لا شوكة لها، ولا هيبة في أرجائها، ولا عهد لمن نسج خيوطها )) انتهى الاقتباس.
واليوم يركب مصطلحَ الوسطية كتّابٌ جعلوا من أنفسهم فقهاء العصر، في حين أنهم أعملوا فيه معاولهم، يتسوقون بها في أسواق معظم الأنظمة الخاوية من أي مشروع جدي لصالح الأمة. لقد كان فالح القوم يدعو ربه بقوله: (( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) )، لكن كتّابنا اليوم -هم كثر- يقولون: نريد لسان تملّق عند الرسميين لنحظى بشيءٍ من لَمَمِ الموائد ونظرة رضىً نستمرُّ بها في عين وبؤرة الصحائف والشاشات الصغيرة، لذلك تجد هؤلاء لا يرعوون عن القول بكلِّ اتجاه إلا اتجاه الخير الذي يوجِّه إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه، فيرشدنا إلى أنه: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) )فمنذ الدعوة الأحمدية في الهند لإلغاء الجهاد ضد الإنجليز تملقًا لهم، وحتى وسم الجهاد بالعنف والإرهاب على يد بعض توابع الكتاب عندنا، ومرورًا بإلغاء الجهاد في مؤتمر داكار في السنغال الذي سُمِّي إسلامي فقد ظلَّ هذا الخط في تصاعدٍ مستمر لا يقول خيرًا ولا يصمت.
ولإنصاف القضية التي في متناول الساحة الآن.. نتوجه جميعًا إلى مصطلح الوسطية والاعتدال، لنرى مكانه وأبعاده في الثقافة الإسلامية.
2-مكانة مصطلح"الوسطية والاعتدال"في الثقافة الإسلامية:
أ - الوسطية في اللغة: جاء في القاموس المحيط: (( الوَسَطُ ) )محركة: من كل شيء أعدله، (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) )أي عَدْلًا خيارًا.
وجاء في المعجم الوسيط: تَوَسَّطَ، أخذ الوسط، وَوَسَطَ الشيء ما بين طرفيه والوسط المعتدل من كل شيء، والوسط العدل والخير وفي التنزيل (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) ): عدولًا وأخيارًا. وهو من وسط قومه: من أخيارهم.
ب- الوسطية في الثقافة الإسلامية: إذا رجعنا إلى تفسير ابن كثير لآية هذا المقال نجد أنَّ المصطلح يحمل المعاني التالية، (وهي مأخوذة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفهم الفقهاء لها) : أمة وسطًا: خيار الأمم، شهداء على كل الأمم يوم القيامة، والأجود من بين الأمم.. ولذا قيل: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا أي خيرها، كما قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه: أي أشرفهم نسبًا، ومن ثم سميت صلاة العصر الصلاة الوسطى أي أفضل الصلوات.. كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ويضيف قول ابن كثير: (( ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا، خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب. وفي الحديث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول محمد وأمته، قال فذلك قوله: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) )، قال: والوسط العدل، فَتُدْعَوْنَ فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم )) رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن الأعمش. ( من تفسير بن كثير ص335 طبعة أولى دار الأندلس- بيروت 1966) .