فهرس الكتاب

الصفحة 8662 من 27345

1-2 عبد الرحمن الحاج*

ماذا سأكون؟!؛ داعية؟!.. واعظا؟!.. باحثا؟!.. أم كلهم جميعا؟!؛ سؤال يحير خريجي طلاب العلوم الشرعية.. من الناحية العملية لا يبدو أن هناك خيارات عديدة؛ فغالبا ما يمارس هؤلاء كل الأدوار؛ دون قدرة على التمييز بينها، ومعرفة: أين يبدأ الدور؟، وأين ينتهي؟.. ودُون السؤال (هل بالإمكان ممارسة كل هذه الأدوار جميعا؟) ؛ على عاتق هذا الوعي الهامشي بهذه الأدوار يقع الكثير من عبء الانقسامات، والصراعات المذهبية، وانحسار التسامح، والتصاعد المستمر للتطرف الديني.

في هذا المقال نحاول إقامة تمييز بين أهم دورين: العالِم، والداعية؛ من أجل المساهمة في فض الخلط القائم بينهما، وبيان: أين يتصل هذان الدوران؟، وأين ينفصلان؟، وما هي السلوكيات المتوقعة من كل منهما؛ بما يساعد على الوفاء بمستلزماتها، وإدراك خطورتها؟.

يشير مفهوم (الدور) إلى عمل، أو وظيفة، أو (موقع) ؛ يقوم به بعض أفراد المجتمع؛ يفرض أنماطا سلوكية محددة؛ يتوقعها المجتمع عادة من القائمين به، ويتحدد على أساسها موقعهم الاجتماعي.. وبغض النظر عن تنوع هذه الأدوار، ومراوحتها بين ما هو اضطراري (مثل دور الأب، وأدوار القرابة الأخرى) ، وبين ما هو اختياري (التلميذ والرئيس) فإن ثمة (أدوارا) تتعلق بالشأن العام؛ تتسم بحساسية بالغة؛ لخطورتها، وأهميتها في حياة المجتمعات الإسلامية، وهي مثار التباس؛ بسبب تداخلها، وضعف الوعي؛ بتمييز الحدود الفاصلة فيما بينها؛ ومنها (العالم) ، و (الداعية) ؛ اللذان نحاول في هذا المقال تناولهما، واستجلاء التمايزات القائمة بينهما؛ بسبب الخطورة التي يتمتع بها هذان الدوران؛ واللذان غالبا ما يتم التعامل معهما على أنهما مترادفان؛ يمثلان دورا واحدا.

نشير ابتداءًا إلى أن هذه الأدوار الاجتماعية لم تحظ داخل الفكر العربي والإسلامي بعناية من الدرس، والبحث؛ تستحق الذكر، وقد يعود ذلك إلى التأخر النسبي لتبلور مفاهيم علم الاجتماع الحديث ابتداء، والتأخر في ابتكار هذا المفهوم الذي لم يظهر حتى عام 1934م عند عالم الاجتماع (جورج هيربرت ميد) ؛ بالرغم من الخطورة التي تترتب على فقدان الحدود الواضحة بين الأدوار؛ خصوصا عندما تتعلق بالشأن العام؛ وتمس كل المجتمع.. ذلك أن مفهوم (الدور) يقوم بتوجيه الأفراد في كيفية تصرفهم، وإنجاز مسؤولياتهم؛ على نحوٍ ما؛ سيتبين بعد قليل.

* العالم.. ينشئ المعرفة:

المهمة الأساسية للعلم هي البحث عن الحقائق، والكشف عنها؛ وهي مهمة لا تتحقق إلا بالامتحان المستمر للمعرفة البشرية؛ وهذا ما يفرتض أن يكون في سمة العالم؛ القدرة على (النقد) ؛ ذلك أنه بغير هذا الدأب المستمر في كشف الخطأ لن يكون بإمكان الإنسان الاقتراب من الحقيقة.. وهذا النقد ينبني منطقيا على إعادة النظر في جهود من سبق؛ وطرح الأسئلة عليها؛ والتشكك فيها.. ومن دون هذا (الشك) العلمي لن يستطيع العالم إدراك العيوب المحتملة؛ سواء كان ذلك متعلقا بآرائه السابقة، أو بآراء غيره؛ ممن سبقوه في خصوص الحقل العلمي المشترك بينهما.

وعندما يقدم العالم وجهة نظر ما فإنه لا يمكنه أن يقدمها إلا باعتبارها (نسبية) ؛ أي (صحيحة؛ تحتمل الخطأ) ؛ على نحو ما عبر الإمام الشافعي رحمه الله؛ وإلا فإنه يعود على نفسه بالنقض؛ إذ انطلق لنقد غيره؛ وامتحان رأيه من أرضية احتمال الخطأ.. هذا فضلا عن أن النسبية تعني - فيما تعنيه - اعترافا بأن الحق لا يعلمه إلا الله؛ أنه كذلك، وأن الطبيعة الإنسانية تبقى عاجزة دواما عن إدراك معظم الحقائق؛ وإنما تتلمسها؛ وتقترب منها، أو تبتعد عنها؛ بمقدار دقتها، وعمقها في النقد.

وإذا كان ذلك فإن الصرامة العلمية تقتضي الاعتماد على (اصطلاحات) تحدد - بدقة، وبمفاهيم، وألفاظ متفق عليها - ما يريد قوله، وما يعنيه.. لأجل هذا تتسم اللغة العلمية بطبيعتها الجافة، وكثافتها الاصطلاحية، وتبتعد دوما عن التعبيرات البلاغية، واللغة الشعرية، والأدبية الجمالية؛ لأنها بذلك تفقد قدرتها على الضبط.. (كثيرا ما يردد العلماء عبارة(التبسيط المخل) ، ويردد المتصوفة: (كلامنا حرام على غيرنا) !!..

ويتحدد في الخطاب العلمي الاختصاصي المخاطب؛ باعتباره مختصا، أو مقتربا من الاختصاص؛ وملما بأساسياته؛ إذ الغاية من الخطاب هي توصيل نتائج الأبحاث إلى أهل الدراية، والخبرة؛ وذلك يعني أن المخاطب بالنسبة للعلم هم (الأقران) ؛ وبالتالي فإن الخطاب العلمي هو بالضرورة (خطاب نخبوي) بامتياز؛ مقتصر على فئة محدودة من الناس؛ (خاطبوا الناس على قدر عقولهم؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت