فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
زد على ذلك أن العدة المعرفية - التي تمثل أدوات العالِم في البحث العلمي سواء الحسي التجريبي أو النظري - ذات طبيعة نظرية؛ تجريدية؛ مهما كان الموضوع العلمي الذي تشتغل فيه؛ خصوصا في المناهج التي لا يستغني عنها علم.. والمناهج كما هو معلوم للكثيرين شيء (تجريدي) بحت.. وعملية الاستنتاج هي أيضا عملية معقدة؛ ناتجة عن التجريد المنهجي، ومتولدة منه؛ مما يقتضي القول بأن العالِم - بوصفه باحثا - لا يتوقف عن النزوع إلى التجريد.
وعلى هذا يتحدد دور العالم في إنتاج المعرفة، و (إنشائها) ، وتبليغها بدقة إلى أهل الاختصاص (النخبة) ؛ ويقتضي ذلك عددا من السلوكيات المتوقعة في اللغة المستخدمة (اصطلاحية) ، والسلوك الذهني (التجريد) ، والموقف من الجهود السابقة (السلوك النقدي) ؛ لتؤطر هذه السلوكيات بمجموعها شخصية العالِم؛ وتطبعها على نحو خاص.
العالم والداعية هل هما شخص واحد؟2/2 عبد الرحمن الحاج*
الداعية.. مُبلغ المعرفة
(أدنى معرفة) من المخاطِب بالضرورة فيما يدعو إليه، وسواء أكانت هذه الدرجة بسبب معرفة منسية لدى المدعو (الدعوة بين المسلمين) ، أو بسبب عدم وجودها أصلا (الدعوة بين غير المسلمين) .. وبالتالي فإن (جهة الخطاب نازلة) باتجاه الأدنى والعامة، والمخاطَب ليس النخبة أساسا؛ بل (الجمهور) الأعظم.. ومن هنا ترتبط كلمة الدعوة دوما بالجمهور.
ما معنى هذا الاختلاف بين الدورين؟!
من الواضح تماما أن الدورين متكاملان في الغايات؛ إذ فيما تكون غاية العالِم إنشاء المعرفة وبناؤها؛ فإن غاية الداعية تتحدد في تطبيقها.. لكن هذا لا يعفي من القول بأنهما متعارضان إلى حد التضاد في السلوك اللازم لهما؛ فبينما يتجه خطاب العالم إلى الخواص يتجه خطاب الداعية إلى الجمهور والعامة، وفي حين يعتمد الخطاب العلمي لغة اصطلاحية معقدة وجافة يعتمد الخطاب الدعوي لغة أدبية بلاغية تأثيرية بسيطة، ومقابل المنطق الشَكِّي النقدي في البناء الذهني للعالم هناك المنطق التسليمي للداعية، وفيما يتجه ذهن العالم صاعدا باتجاه التجريد والتقعيد (حيث يهدف العالم لاستخلاص الكليات) فإن ذهن الداعية يتجه نازلا باتجاه مستوى التطبيق، وباتجاه مستويات ذهنية مخاطبة أدنى.
هذا التعارض يطلق عليه في علم الاجتماع (صراع الأدوار) .. من أجل هذا كان في المجتمع تمايز بين من سُموا بـ (الوعاظ) وأهل العلم الذين غالبا ما يطلق عليهم وصف (أهل الفقه) .. فالفقه هنا بمعناه العام (مطلق الفهم) .. وليس مفارقة إذن ألا يجتمع على حلقة شيخ الإسلام ابن تيمية في المسجد الأموي الكبير في دمشق مثلا ما لا يتجاوز عدد أصابع الإنسان فيما كان يجتمع لبعض الوعاظ خلق على مد النظر.
لكن هل يعني هذا التمايز عدم قدرة أحدهما على ممارسة دور مزدوج متجاوزا (صراع الأدوار) ؟!.. بالطبع لا، ولكن يجب القول بأن هذا يحتاج إلى مجهود مضنٍ.. فعلى الرغم من أن في تاريخنا شخصيات كبيرة استطاعت أن تقوم بالدورين - من أمثال ابن سيرين، والحسن البصري، وعبد الرحمن بن الجوزي، والشهرستاني (صاحب الملل والنحل) ، وابن السمعاني - فإن هؤلاء العلماء المتقنين هم قلة قليلة بالنسبة لمن اشتهر بالجمع بين العلم والوعظ؛ ذلك أن بصمات هؤلاء (العلماء الوعاظ) - باستثناء أمثال من ذكرنا أسماءهم - محدود للغاية على تطوير العلوم الإسلامية، وتقدمها؛ فالنجاح في دورٍ عادة يهمش أو يقلل من الإبداع في الدور الآخر كلما اجتمعا في شخص واحد؛ ولذلك كان كبار العلماء - أمثال الشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله - ليس لهم مجالس للوعظ، وكبار الوعاظ ليس لهم مجالس علم مثل الحارث المحاسبي.
غير أن وجود تمايز في الأدوار لا يعني أن أحدهما يَفضل الآخر؛ فكلاهما يؤدي مهمة جليلة، وأحدهما ليس له قيام دون الآخر؛ وهو ما قاله عالم الاجتماع (جورج ميد) في (نظريته عن الدور) ؛ والتي ترى أيضا أن الدور لا يوجد من دون الأدوار الأخرى؛ لأن مفهوم الدور أساسا لا يتحقق إلا في إطار جماعة؛ ولهذا كان الباقلاني، والإسفراييني (عالما الكلام الكبيران) يسمعان مجلس ابن سمعون الذي قيل: إنه لم يأت في الوعاظ مثله، بل أكثر من ذلك يقبلان يده! (كما ذكر صاحب شذرات الذهب ج 2 ص 125) .
وعندما يدرك كل منهما دوره بوضوح، ويزول الخلط بينهما، أو عندما يمارَسان معا؛ ويمثلهما شخص واحد واعيا لحدود ومجال عمل كل من الدورين فإن أداء كل منهما في الشأن العام سيكون كثير الفائدة.