عبدالله البصري
أما بعدُ ، فأُوصيكم ـ أيها الناسُ ـ بتقوى اللهِ ـ عز وجل ـ والتي لا تحلو الحياةُ إلا بها ، ولا يَدخُلُ الجنةَ إلا أهلُها \"أَلا إِنَّ أَولِيَاء اللهِ لاَ خَوفٌ عَلَيهِم وَلاَ هُم يَحزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ البُشرَى في الحَياةِ الدُّنيَا وَفي الآخِرَةِ ، لاَ تَبدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ، ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ \"
أيها المسلمون ، ومما أَبهَجَ القُلُوبَ وشَرَحَ الصدورَ ، وشمخَت به أُنُوفُ المؤمنين وأُرغِمَت أُنُوفُ الكافرين ، ما أَجمَعَ عليه جمهورُ المسلمين في مَشرقِ هذِهِ البِلادِ وغِربِها ، بل في كثيرٍ مِن بِلادِ الإِسلامِ ، مِن مُقَاطَعَةٍ لِسِلَعِ الذين استَهزَؤُوا بِرَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وما كان ذلك بِغَرِيبٍ عَلَيهم ولا مُستَنكَرٍ مِنهم ، مَا كان مُستَكثَرًا منهم وما هو بِالكَثِيرِ ، في حَقِّ نَبِيِّهِم ورَسولِهِم وحَبِيبِهِم ، الذي بَعَثَهُ اللهُ نجاةً لهم وَرَحمَةً ، فَأَخرَجَهُم بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ ، وَجعلَ بِعثتَهُ هِدايَةً لهم مِنَ الضَّلالَةِ ، وَبَصَّرَهُم بِنُورِ ما جاء بِهِ مِنَ العَمَى ، وكان عَزِيزًا عليه ما يُعنِتُهُم حَرِيصًا عليهم ، بِالمُؤمِنِين رَؤوفًا رَحيمًا ...
وَكَيفَ لا يَنتَقِمُ المُسلِمُونَ ولو بِالقَلِيلِ ممَّن استَهزَأَ بِهِ وَسَخِرَ منه ؟ كيف لا يَفدُونَهُ بِآبَائِهِم وَأُمَّهاتِهِم وَأَنفُسِهِم بَلْهَ أَموَالِهِم ، وهو الذي ما وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَمَا قَلاهُ ، شَرَحَ صَدرَهُ وَوَضَعَ وِزرَهُ ، وَرَفَعَ في العَالمين ذِكرَهُ ؟ كيف لا يَتَأَثَّرُونَ مِن أَجلِهِ وَتمتَلِئُ صُدُورُهُم غيظًا على مَن أَساءَ إليه ، وهو الذي سَخَّرَ اللهُ له مخلوقاتِهِ فَعَرَفَتْهُ وَهَابَتْهُ ، فَحَنَّ الجِذعُ بَينَ يَدَيهِ ، وَبَكَى الجَمَلُ شَاكِيًا إِلَيهِ ، وَسَبَّحَ الحَصَى بَينَ أَنَامِلِهِ ، وَسَلَّمَ عَلَيهِ الحَجَرُ وَالشَّجَرُ ، وَنَبَعَ المَاءُ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ ، وَانقَادَت الشَّجَرَةُ في يَدِهِ ؟
إِنَّ ما حَدَثَ مِنَ المُسلِمِينَ ـ جزاهُمُ اللهُ خَيرًا عن نَبِيِّهِم ـ ما هو إلا تَعبِيرٌ عمَّا تُكِنُّهُ صُدُورُهُم مِن محبَّتِهِ ، وَإِيضَاحٌ لما تَنطَوِي عَلَيهِ قُلُوبُهُم مِن تَعزِيرِهِ وَتَوقِيرِهِ ، وذلك مِن صَرِيحِ الإِيمانِ ودلالاتِ كَمَالِهِ ، ولولا أَنَّ المُسلِمَ يُقَدِّمُ ما يُحِبُّهُ رَسُولُهُ على ما تُحِبُّهُ نَفسُهُ وتَشتَهِيهِ ، لما آمَنَ بِهِ تمامَ الإِيمانِ ، قال ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ: \"لا يُؤمِنُ أَحدُكُم حتى أَكونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجمعِينَ \"وقال ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ: \"ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمانِ: أَن يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ ممَّا سِوَاهما ، وَأَن يُحِبَّ المَرءَ لا يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ ، وَأَن يَكرَهَ أَن يَعُودَ في الكُفرِ بَعدَ إِذْ أَنقَذَهُ اللهُ مِنهُ كَمَا يَكرَهُ أَن يُلقَى في النَّارِ \"
ولمَّا قال عُمَرُ بنُ الخطابِ ـ رضي اللهُ عنه ـ: يا رَسولَ اللهِ ، لأَنتَ أَحَبُّ إِليَّ مِن كُلِّ شَيءٍ إِلاَّ مِن نَفسِي ، قال له ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: \"لا والذي نَفسِي بِيَدِهِ ، حتى أَكونَ أَحَبَّ إِلَيكَ مِن نَفسِكَ \"فقال عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ لأَنتَ أَحَبُّ إِليَّ مِن نَفسِي ، فقال له ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: \"الآنَ يَا عمرُ \"وجاء رجلٌ إلى النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فقال: يا رَسولَ اللهِ ، متى الساعةُ ؟ قال: \"وَيلَكَ ، وَمَا أَعدَدتَ لها ؟ \"قال: ما أَعدَدتُ لها إلا أَني أُحِبُّ اللهَ وَرَسولَهُ . قال: \"أَنتَ مَعَ مَن أَحبَبتَ \"
قال ابنُ رَجَبٍ ـ رحمه اللهُ ـ: محبَّةُ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ مِن أُصُولِ الإِيمانِ ، وهي مُقارِنَةٌ لِمَحَبَّةِ اللهِ ـ عز وجل ـ ، وقد قَرَنها اللهُ بها ، وَتَوَعَّدَ مَن قَدَّمَ عَلَيهِما محبَّةَ شَيءٍ مِنَ الأُمُورِ المُحَبَّبَةِ طَبعًا ، مِنَ الأَقَارِبِ وَالأَموَالِ وَالأَوطانِ وَغَيرِ ذلك ، فقال ـ تعالى ـ: \"قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُم وَأَبنَآؤُكُم وَإِخوَانُكُم وَأَزوَاجُكُم وَعَشِيرَتُكُم وَأَموَالٌ اقتَرَفتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرضَونَهَا أَحَبَّ إِلَيكُم مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأتيَ اللهُ بِأَمرِهِ ، وَاللهُ لاَ يَهدِي القَومَ الفَاسِقِينَ \"