أبٌ يرْثي ابْنه
بُنيّ إِياد !
بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي
رَحَلْتَ ! وَبي لهْفةٌ منْ حَنينٍ
وَشَوقٌ إلى بِرِّك الطّيِّب
وَغِبْتَ ! وذِكْرُك عِطْرُ الدِّيار
وعطرُ المَرابِع والسَّبْسَب (1)
وَفَوْحُ الشَّبَابِ عَلَى جِدِّهِ
وفَوْحُ الطّفُولَةِ في الملْعَبِ
وحَيثُ نَزَلْتَ غَنِيَّ العَطَاءِ
تَقِيَّ المسَالِكَ و المَذْهَبِ
رَحَلْتَ ! وما زِلْتُ أهْفُو إِليْكَ
حَنِينَ الضُّلوعِ وشَوْقَ الأَبِ
وَغِبْتَ ! ومازِلْتُ أَرْنُو إلَيْكَ
وقَلْبِيْ وَطَرْفِيْ يُلحَّانِ بِي
رَكَضْتَ وأسْرَعَْتَ ! جُزْتَ المَدَى
فَيَا لوثَابِ الفَتَى الأنْجَبِ
كَأَنَّك تَعْدُو إلىَ جَنَّةٍ
يُبَلِّغُها اللهُ من يَجْتَبِي
كَأَنَّكَ في حَوْمَةٍ من سِبَاقٍ
فَجَلَّيْتَ في السَّبْقِ والمطْلَبِ
رَحَلْتَ ! بُنَيَّ ، عَلَى حُرْقَة
وجَمْرٍ هُناَ في الحَشاَ مُذْهبِي
عَلى مُقْلَة قَرَّحَتْهَا الدُمُوْعُ
تَفَجَّرُ من قَلبِيَ الملُلْهَبِ
وحَوْليَ أُمُّكَ نَبْعُ الحَنانِ
تصُبُّ الدُّموعَ ولَمْ تَصْخَبِ
تَعَضُّ عَلى شَفَتَيْهَا أسى
لتَكْظم من حُزْنِهَا المُنصِبِ
فَدَفْقُ الدُّمُوع عَزَاءُ الفُؤادِ
أَلا أَطْلقِي الدَّمْعَ أَو سَرِّبي (2)
تَهِيجُ بِإخْوَتَكَ الذّكْرَيَاتُ
حَنينًَا إلى الرَّحمِ الأَقُرَبِ
ودَمْعًَا يَفِيضُ عَلَى الوَجْنتَينِ
فَيَحْبِسُهُ العَزْمُ مِنْ صُلَّبِ (3)
فَيُخْفُونَ مِنْ لَوْعَة في الحَشَا
يُوَاسُونَ مِنْ أُمِّهمْ والأبِ
وصَحْبِ كَأنَكَّ مِنْ مُهْجَةٍ
نُزِعْتَ ومِنْ أكْبُدٍ نُحَّبِ
فَمَاجُوا ! فَمِنْ موكِبٍ مُقْبِلٍ
كَرِيمِ يُوَاسِي إلى موكِبِ
حَنيننُ الأُمومَةِ ! شوْقُ الأُبُوَّ
ةٍ ! فَيْضٌ مِن الحَزَن الأَصعَبِ
يَمُوجُ عَلَى فِطْرةٍ أُودِعتْ
ونَبْعٍ مِنَ البِرِّ لم يَنْضَبِ
فَيَمْتَدُّ مِنْ عَالَمِ ضَيِّقٍ
إلى عَالَمِ الغَيْبِ والغُيَّبِ
فَمَنْ يَسَعُ الحُزْنَ ! هَذا مَدَاهُ
مَدى عَالَمٍ واسِعٍ أَرْحَبِ
فَماَ يَسَعُ الحُزْنَ إِلاَّ يَقينٌ
وصِدْقٌ مَع الله لَمْ يُكْذَبِ
رَحَلْتَ ! بُنَيَّ إِيادٌ ! وغِبْتَ
عَلَى لَوْعةٍ وأسىً مُصْحِبِ
إذاَ مَا ذَكَرتُكَ هِاجَتْ دُمُوعِي
فأَسْكُبُ مِنْ وابِلٍ صَيَّبِ
تُنَازعُنِي النَّفْسُ: دَمْعٌ يفَيضُ
عَلَيْكَ وَ صَبْرٌ جميلٌ أَبي
أَعودُ إِلى ذِكْر رَبِي فَأَخْشَـ
ــع للذّكْرِ والأَملِ الأرْحَبِ
رَحَلْتَ ! بُنَيَّ إِيادُ ! وغِبْتَ
وبِي منْ جَوىً هائجٍ مُنْصِبِ
فَأَنَّى التَفَتُّ أَرى طيفك الحُلْـ
ـوَ حَوْليْ يخاطبُني يا أبي
وطَلْعَةُ وَجْهكَ إشْرَاقَةٌ
وإقْبَال طَيْفِكَ لَمْ يَغْرُبِ
وبَسْمَةُ وجْهِكِ نُورٌ يَفِيضُ
عَلَيَّ يَشُقُ دُجَى الغَيْهِبِ
ولَهَفَةُ صَوْتِكَ ! كمْ قَدْ حَنَوتَ
عَلَى قَلْبِيَ الخَافِقِ المُتْعَبِ (4)
فَيَجْلُو حَدِيثُكَ صَفْوَ النَبَاهِـ
ـةِ بالأَدَب المُرْهَفِ الأَعْذَبِ
تَضُمُ جَنَاحَيْك حَوْلِي بِبِرٍّ
نَدِيِّ الشَمَائِل والمَوْهِبِ
إِيادُ ! وكُنْتَ تُجِيبُ النِّداءَ
وِتُسْرعُ رَكْضًَا إلى مَطْلَبِي
فَماَلُكَ اليومَ لا تَسْتَجيبُ
وَعَهْدِي بِبِرِّك لَمْ يَكْذِبِ
وكَنْتَ تُجِيبُ نِدَاءَ الصَلاةِ
فَهَذاَ النِّدَاءُ ! فَقُمْ وارْغَبَ (5)
صَدقْتَ ! أَجَبْتَ نِدَاءً أجَلَّ
وَقُمْتَ إلَى مَنْزِلٍ أطْيَبِ
إِلَى رَحْمَةِ الله ! عُقْبَى التَّقِيِّ
إذا جَدَّ في السَّعْيِ والمَذْهَبَ
إلى الله ! إِنا له راجعون
فَمَا مِنْ مُجيرٍ ولا مُعقِبِ
إِذا حُمَّ فِينا قَضَاءُ الإله
فَمَا من سبِيل إِلى مَهْربِ
فُسبْحَانَ مَنْ قَهَرَ الخَلْقَ في
قَضَاءٍ وسُبْحَان مَنْ يَجْتَبِي
إيادٌ ! حَنانَيْكَ ! كَيفَ السُّلوُّ
وطَيْفُكَ حَوْليَ لَمْ يُحْجَبِ
فَهَذاَ كِتَابُك ! يَا وَيْحَ نَفْسِي
كَأنَّكَ مَازِلْتَ في المَكْتَبِ
وهذا قَمِيصُكَ حُلْوُ الشَّذَى
وهذَا الرِدَاءُ عَلى المشْجَبِ
وهَذا السَّرير ! كَأَنِّي أَرَاكَ
فأُقْبِلُ والشوْقُ قَدْ هاجَ بي
أَعودُ وبِي حُرقَةٌ من حَنِينٍ
إِليْكَ ، إِلى وَجْهِكَ الطِّيِّبِ
ومَكْتَبةٌ نَسَّقْتْها يَدَاكَ
عَلَى فِطْنَةِ الماهِر المُعْجِبِ
أَطُوفُ بِهَا ورُؤَى الذِكرَياتِ
تَطُوفُ كَأَنَكَ لَمْ تَذْهَبِ
يُذَكِّرُنِي كُلُّ رُكُنٍ بَهَا
حَنَانَ فَتَىً طيِّبٍ أحْدَبِ
وأَقْرأُ شِعْري ونَثْريَ فَتُصْغِي
إِلَيَّ ! فِيَا للفتَى الأَنْجَبِ
وَيَا لَبَيَانِ الفُؤَادِ الذَّكِي
وَيَا لَحَصافَةِ مُسْتَوعبِ
فَأُصْغي إلى نَفَحَاتٍ غَوَالي
كوكِبَ مِن حُسْنِها ثُقَّبِ
بُنَيَّ غَذَوْتُكَ صَفْوَ اللِّبانِ
وَعُلْتُكَ بالمَنْهَجِ الأَصْوَبِ
كتَابٌ من الله يُتْلى ونُورٌ
مِنَ الحَقِّ يُجْلى وهدْيُ النَّبي
تُعَلُّ وتَنْهَلُ منْ فَيْضه
غَنِيَّ السِقَايَةِ والمَشْرَبِ
فَأَقِبلْ عَلَى الله ! هذا هو الزَّا