فهرس الكتاب

الصفحة 19409 من 27345

فقر المشاعر بين الوالدين والأولاد 1 / 2

محمد بن إبراهيم الحمد 13/2/1426

تجد من الأولاد من لا يراعى حق والديه, ولا يراعى مشاعرهما؛ فتراه لا يأنف من إبكائهما, وتحزينهما, ونهرهما, والتأفّف والتضجّر من أوامرهما, والعبوس وتقطيب الجبين أمامهما؛ فمن الناس من تجده في المجالس هاشًّا باشًّا حسَن المعشر؛ فإذا دخل المنزل, وجلس إلى والديه انقلب ليثًا هصورًا لا يلوي على شيء؛ حيث تتبدّل حاله, فتذهب وداعته, وتحلّ غلظته وفظاظته.

ومن الأولاد من ينظر إلى والديه شزَرًا, قال معاوية بن إسحاق عن عروة بن الزبير - رحمهم الله ورضي عنهم:"ما بَرَّ والدَه مَنْ شَدَّ الطّرفَ إليه".

ومن قلّة المراعاة لمشاعر الوالدين قلّة الاعتداد برأيهما, والإشاحة بالوجه عنهما إذا تحدّثا, وإثارة المشكلات أمامهما, وذمّهما عند الناس، والقدح فيهما، والتبرّؤ منهما، والحياء من الانتساب إليهما.

كل ذلك داخل في العقوق وقلة الرعاية لمشاعر الوالدين, وكأن هؤلاء لم يقرؤوا قوله -تعالى-: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء:23-24]

ولم يسمعوا قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: -"الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين, وقتل النفس, واليمين الغموس" (1) .

فحرِيّ بالولد أن يسعى سعيه في برّ والديه؛ فيحسن إليهما, ويخفض الجناح لهما, ويصغي إلى حديثهما, ويتودّد لهما بكل ما يستطيع من برّ وصلة, ويتجنّب كل ما يفضي إلى العقوق والتكدير.

وليكن له في سلفنا الصالح قدوةٌ؛ فلقد ضربوا أروع الأمثلة في البر، ومراعاة مشاعر الوالدين، وإليك طرفًا من ذلك:

عن أبي مُرَّة مولى أم هانئ بنت أبي طالب:"أنه ركب مع أبي هريرة إلى أرضه بالعقيق، فإذا دخل أرضه صاح بأعلى صوته:"

عليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أماه!

تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

يقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا.

فتقول:"يا بني! وأنت فجزاك الله خيرًا ورضي عنك، كما بررتني كبيرًا" (2) .

وهذا ابن عمر -رضي الله عنهما- لقيه رجل من الأعراب بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه.

قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله إنهم الأعراب، وهم يرضون باليسير.

فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان وُدًّا لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وإني سمعت رسول الله -رحمه الله- يقول:"إن أبرَّ البر صلةُ الولدِ أهلَ ودِّ أبيه" (3) .

وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ قالوا:حارثة بن النعمان، كذلكم البرّ، كذلكم البرّ، وكان أبرّ الناس بأمه" (4) .

وعن أبي عبد الرحمن الحنفي قال: رأى كهمس بنُ الحسن عقربًا في البيت فأراد أن يقتلها، أو يأخذها، فسبقته، فدخلت في جحر، فأدخل يده في الجحر؛ ليأخذها، فجعلت تضرّ به، فقيل له ما أردت إلى هذا؟

قال: خفت أن تخرج من الجحر، فتجيء إلى أمي، فتلدغَها.

وهذا أبو الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهو المسمى بزين العابدين، وكان من سادات التابعين -كان كثير البرّ بأمّه، حتى قيل له:"إنك من أبر الناس بأمك، ولا نراك تؤاكل أمك، فقال: أخاف أن تسير يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه؛ فأكون قد عققتها".

وقال هشام بن حسان:"حدثتني حفصة بنت سيرين، قالت: كانت والدة محمد بن سيرين حجازية، وكان يعجبها الصِّبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى ألين ما يجد، فإذا كان عيد صبغ لها ثيابًا، وما رأيته رافعًا صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي".

وعن بعض آل سيرين قال:"ما رأيت محمد بن سيرين يكلِّم أمَّه قط إلا وهو يتضرع".

وعن ابن عون أن محمدًا كان إذا كان عند أمه لو رآه رجل ظن أن به مرضًا من خفض كلامه عندها" (5) ."

وعن ابن عون قال:"دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه فقال: ما شأن محمد؟ أيشتكي شيئًا ؟ قالوا:لا؛ ولكن هكذا يكون عند أمه".

"روى جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر:"أنه كان يضع خدَّه على الأرض، ثم يقول لأمَّه: قومي ضعي قدمك على خدّي"."

وعن ابن عون المزني:"أن أمه نادته، فأجابها، فعلا صوتُه صوتَها؛ فأعتق رقبتين".

وقيل لعمر بن ذر:"كيف كان برُّ ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارًا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلًا إلا مشى أمامي، ولا رقِيَ سطحًا وأنا تحته".

وحضر صالح العباسي مجلس المنصور، وكان يحدّثه، ويكثر من قوله:"أبي-رحمه الله-"فقال له الربيع: لا تكثر الترحّم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين، فقال له: لا ألومك؛ فإنك لم تذق حلاوة الآباء"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت