الشيخ أحمد الجمال الحموي
عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام
في مقابلة قديمة مع أحد الأدباء الذين فارقوا الدنيا أواخر القرن العشرين كلام يقرر فيه عقائد ليس لها دليل من بحوث علمية ولا من الآيات القرآنية ولا من الأحاديث النبوية الشريفة.
ومما جاء في هذه المقابلة:
(اعتقادي الخاص بالتقمص يعود إلى أنني عشت أعوامًا عديدة قبل أن أكون الآن، وليست ولادتي هي أول ولادة لي. لماذا سيكون فلان والدي، وفلانة والدتي بين كل رجال ونساء الأرض، إلا إذا كانت هناك علاقة سابقة بيني وبينهم. والعلاقة السابقة لم تكن في هذا العمر بل في حياة سابقة عشتها أنا قبل أن أولد) .
وهذا كلام سريع التداعي أمام البرهان توحي به خيالات وأوهام ليس إلا.
ومع أن الرد سيأتي بعد قليل لكننا نسأل الأديب الأريب إذا كان فلان والدك، وفلانة والدتك دون سائر الناس في ولادتك هذه لأنهما - كما تزعم - كانا كذلك في حياة سابقة فلماذا كانا والديك في تلك الحياة السابقة أيضًا، وما أراك إلا ستحيلنا على حياة سابقة على هذه السابقة ويبقى السؤال قائمًا ما الذي جعل هذين والدين لك في أول ولادة ظهرت بها، تلك الولادة التي لم يك قبلها ولادة، مهما تباعدت في الزمن الماضي وأوغلت فيه.
ولعل الأديب العجيب يريد أن يقول إن الناس جهلة، أما هو فليس بجاهل فقد عرف التقمص الذي ظنه حقيقة جهلها الناس وآمن به حيث كفر بهذا التقمص مليارات البشر على مدى العصور.
ويتابع هنا الأديب حديثه عن التقمص فيقول: (تفكيري يرشدني إلى أن الأشياء التي حصلت معي في أعوامي هذه إنما هي تتمة لأشياء حصلت معي في أعوام سابقة... واسأل أي إنسان من أين لك هذه المعرفة، مستحيل أن تأتيك خلال السنوات التي عشتها، كل معرفتك تتوقف على حياتك السابقة) .
إن تفكير هذا الأديب هو الذي يرشده كما يظن، ولو عرف أن تفكيره يضله لأراح واستراح، وها هو تفكيره يتخبط به فيزعم أن معرفته نشأت من حياته هذه ومن حيوات قبلها، ومن اللافت للنظر أنه لم يشعر بهذا الوسواس إلا هو وأمثاله من التناسخيين، ولو صدق قوله لولد الإنسان متعلمًا ولوجدنا مخترعين عظماء وهم لا يزالون في سن الرضاع.
ثم يتابع الأديب وكأنه يريد إقناع نفسه، فيقول (أومن بالتقمص لكني"لم أصل درجة المعرفة القصوى"لأتبين حياتي السابقة بالتفاصيل الدقيقة إنما لدي"شعور عميق"بأنني لست ابن البارحة، عمري الآن 98 سنة ومن الخطأ أن أقول ذلك فأنا عمري الزمان كله.)
ولا يخفى على اليقظ اللبيب تخبط هذا (الأديب) فبعد أن زعم أن تفكيره هو الذي أرشده إلى التقمص إذا به الآن يرجع هذه العقيدة إلى (الشعور) وليقدر كل عاقل فداحة المصاب عندما تبنى عقائد خطيرة على المشاعر العليلة. وإذا شئنا أن نحسن الظن نقول إن (الأديب) أراد أن يضم الشعور إلى الفكر لا أن يلغي أحدهما بالآخر، ومع هذا فإن الضعف بدا واضحًا عندما اعترف أنه لم يصل درجة المعرفة القصوى ولذا فهو يجهل تفاصيل حياته بل حيواته السابقة وكأني به يدفع سؤالًا توقع أن يوجه إليه عن حياته بل حيواته التي عاشها من قبل فاحتاط للأمر قبل وقوعه.
ولم يك هذا الجهل والعجز عن معرفة التفاصيل نابعًا من كبر سنه وخرفه بل لأنه لا وجود لهذه الحياة المزعومة، ولذا عجز عن تذكرها عندما كان في ريعان شبابه.
وحسبنا هذه المقاطع من كلامه الكثير فإنه لا يخرج عما نقلناه وسنكتفي بالرد على فكرة التقمص -التي ألح عليها وأبرزها- خشية علوقها بعقول بعض البسطاء. وقد كان في حديث ذلك الأديب سقطات وضلالات أخرى لكننا لن نعرض لها فقد احتل التقمص الساحة وغطى على غيره.. وإنني أخشى أن يكون الذي أجرى اللقاء مع الأديب من تلك الفرق الباطنية التي تؤمن بهذه القصائد وإلا فكيف نفسر استسلامه في المقابلة وعدم مناقشة الأديب وعدم التعقيب عليه ولو بكلمة واحدة، أو لعله في أحسن الاحتمالات مسلم جاهل عافانا الله من الجهل.
وقبل أن نمضي قدمًا في الرد نشير إلى أن هناك فرقًا تقول بالتقمص وفرقًا تقول بالتناسخ وبين التناسخ والتقمص فروق يسيرة لكن الجوهر والمآل واحد.
ويجمع الفريقين اسم (التناسخيين) وقد اتفق التناسخيون على أصل هو الأساس في تعريف التناسخ ثم اختلفوا في فروع لا تتناقض مع الأصل، بل هي إما توسع في مفهومه وإما نتيجة تكاد تكون لازمة من لوازمه أو تكون الهدف من القول بهذه العقيدة الباطلة.
الأصل الذي اتفق عليه التناسخيون
أما الأصل الذي يتفق عليه القائلون بالتناسخ والذي يشكل لب هذه العقيدة فهو (أن الأرواح تنتقل بعد مفارقتها الأجساد إلى أجساد أخر) فلو مات إنسان ما -مثلًا- فإن روحه في زعم التناسخيين تنتقل إلى جسم آخر تطلع إلى الحياة وزحف نحوها، ثم تبقى فيه حتى يحين حينه فتفارقه إلى جسم آخر اشرأب إلى الحياة، وهكذا دونما انقطاع.
وهذا هو التعريف الجامع للتناسخ، والقدر الذي يتفق عليه التناسخيون جميعًا.
الفروع التي اختلف فيها التناسخيون