فهرس الكتاب

الصفحة 5828 من 27345

نستعرض الآن ما اختلف فيه القائلون بالتناسخ من جزئيات لا تمس الأصل المشار إليه آنفًا. حيث افترقوا في ذلك فرقتين.

1-أجازت أولاهما انتقال الأرواح بعد مفارقتها أجسادها (إلى أجساد أخر وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت) (1) وهو قول القرامطة وأشباههم، فيجوز بناء على رأيهم انتقال روح الإنسان بعد موته إلى حيوان، كما يجوز انتقال روح الحيوان بعد موته إلى إنسان، وهذا كما هو واضح توسع في مفهوم التناسخ ونشر لظلاله (وذهب هؤلاء إلى أن التناسخ إنما هو على سبيل العقاب والثواب، قالوا: فالفاسق السيء الأعمال تنتقل روحه إلى أجساد البهائم الخبيثة المرتطمة في الأقذار والسخرة المؤلمة الممتهنة بالذبح) (2) حتى نقل ابن حزم عن أحدهم وهو محمد بن زكريا الرازي الطبيب قوله (لولا أنه لا سبيل إلى تخليص الأرواح عن الأجساد المتصورة بالصور البهيمية إلى الأجساد المتصورة بصور الإنسان إلا بالقتل والذبح لما جاز ذبح شيء من الحيوان ألبتة) . (3)

وبناء على زعمهم الفاسد لا حاجة لليوم الآخر والحساب وما يتلوه من ثواب وعقاب على الطريقة التي فهمها أهل السنة والجماعة الذين هم لب الإسلام وحقيقته إذ أن الحساب في زعمهم يجري هنا على الأرض ويتحقق الثواب والعقاب فيما تخيلوه من التناسخ.

ويختلف انتماء أتباع هذه الفرقة فنرى بعضهم ينتسب إلى الإسلام ويزعم أنه من أهله، ويعد هؤلاء تاريخيًا من الفرق الإسلامية. ونرى آخرين من ملل متعددة ومذاهب مختلفة لا صلة لها بالإسلام.

2-أما الفرقة الثانية فقد (منعت من انتقال الأرواح إلى غير أنواع أجسادها التي فارقت) (4) فلا يمكن عندهم انتقال روح الحيوان بعد موته إلى الإنسان ولا يمكن العكس أيضًا (وليس من هذه الفرقة أحد يقول بشيء من الشرائع وهم الدهرية) (5) وقد انطلق هؤلاء أساسًا من الكفر والجحود المطبق فقد أنكروا وجود خالق لهذا الكون وانتهوا إلى ما انطلقوا منه بإنكارهم الآخرة بما فيها من حساب وجزاء.

ويظهر لدى التأمل أن هذا الإنكار للآخرة من لوازم التناسخ، أو هو الهدف الحقيقي من اعتقاده والقول به. وهؤلاء أبعد عن الإسلام من الفريق الأول وأكثر إيغالًا في الكفر منه، وعلى كل فالفكر وصف جامع لهما.

أدلة التناسخيين

تشبث التناسخيون على اختلاف آرائهم بأوهام حسبوها أدلة كافية لإثبات مزاعمهم وسنشرع الآن بسرد هذه الأدلة مرجئين مناقشتها إلى فقرة تالية.

الفرقة الأولى:

فقد احتجت الفرقة الأولى التي أجازت انتقال الأرواح إلى غير أنواع أجسادها التي فارقت بحجج تنقلب عليهم لدى تأملها والنظر فيها. وهذه هي حججهم:

1-احتجوا ببعض النصوص التي فهموها فهمًا يخالف فهم المسلمين جميعًا على مر العصور حيث تشبثوا بقول الله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فَعَدَلَكْ في أي صورة ما شاء ركبك) وبقوله تعالى: (جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ومن الأنعام أزواجًا يذرؤكم فيه) وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو: (قيامة كل أحد موته) .

2-ويتردد في أوساط بعض أتباع هذه الفرقة كالنصيريين ما نستطيع أن نسميه (دليل الشعور) حيث يدعي بعضهم تذكره لحياة سابقة كان يحياها قبل سنين طويلة، وذلك وقت إذ كانت روحه في جسد ملك مدينة كذا أو في جسد العالم المشهور فلان كما يهذون.

3-أما الذين لا ينتسبون إلى الإسلام أصلًا من هذه الفرقة الأولى فقد احتجوا بالفلسفة أو بكلام قد يسميه بعضهم دليلًا عقليًا وما هو كذلك فقالوا (إن النفس لا تتناهى والعالم لا يتناهى لأمد، فالنفس منتقلة أبدًا وليس انتقالها إلى نوعها بأولى من انتقالها إلى غير نوعها) (6) .

4-وترى طوائف من هذه الفرقة أن عدد الأرواح في العالم ثابت لا يمكن أن يزيد ولا أن ينقص، ومن ثم ذهبوا إلى الادعاء بوجود توازن بين الحيوان والإنسان، فعندما يكثر الموت في الحيوان يزيد عدد الإنسان حسب اعتقادهم وعندما يكثر الموت في الإنسان يزيد عدد الحيوان.

الفرقة الثانية:

وحجة الفرقة الثانية التي منعت انتقال الأرواح إلى غير أنواع أجسادها التي فارقت (هي حجة الطائفة التي ذكرنا قبلها القائلة إنه لا تناهي للعالم فوجب أن تتردد النفس في الأجساد أبدًا، قالوا، ولا يجوز أن تنتقل إلى غير النوع الذي أوجب لها طبعها الإشراف عليه وتعلقها به) (7) فهؤلاء أقروا مبدأ انتقال الروح من جسد إلى جسد لكنهم اشترطوا أن يكون انتقال الروح إلى جسد من نوع جسدها الذي فارقته.

مناقشة أدلة التناسخيين

يكفي في بطلان فهم الفرقة الأولى للآيتين اللتين أوردوهما إجماع الأمة كلها على أن المراد بهما غير ما ذكروه فالمراد بقوله تعالى: (في أي صورة ما شاء ركبك) الصورة التي رتب الإنسان عليها من طول أو قصر أو حسن أو قبح أو بياض أو سواد وما أشبه ذلك. فهي الصور المختلفة من جنس صور الإنسان. وليس المراد قطعًا حلول الروح الإنساني في صور غير صورة هذا النوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت