مقدمة
معنى امتحان القلوب
مواطن امتحان القلوب
من أمراض القلوب
علاج أمراض القلوب
علامات صحة القلب وسلامته
علامات مرض القلب وشقاوته
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (2) [سورة آل عمران، الآية: 102] . (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (3) [سورة النساء،الآية:1] . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (4) [سورة الأحزاب، الآية: 70] .
أما بعد:
فإن الحديث عن القلب وامتحانه وابتلائه حديث بالغ الأهمية في وقت قست فيه القلوب، وضعف فيه الإيمان، واشتغل فيه بالدنيا، وأعرض الناس عن الآخرة.
ونحن نرى في هذا العصر تطورا هائلا في جراحة القلب البشري، حتى كان من آخر ذلك ما نسمع عن زراعة القلب ونقله مع الدقة المتناهية في تحديد الأمراض الحسية التي تنتاب القلب، وبيان طرق معالجتها وتشخيصها. ولن أتحدث هنا عن الأمراض الحسية، وما ينتاب هذا القلب من أدواء.
لكنني سأتحدث عما يعرض لهذا القلب خلال سيره إلى الله من امتحانات وابتلاءات وما علامات صحته وعلته؟ وما مواطن الابتلاء والامتحان لهذا القلب؟
وسوف أركز خلال الحديث عن القلب على الاستشهاد بكلام الله وكلام رسوله، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الأصل هو الاستقاء من منبع الكتاب والسنة؛ وإنما نصصت على هذا حتى يعلم أن الحديث عن القلب ليس بالأمر الهين ولا السهل، فلا أحد أعلم بأحوال هذا القلب وما ينتابه من خالقه (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) (5) [سورة الملك، الآية: 14] . (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (6) [سورة طه، الآية: 7] . (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (7) [سورة غافر، الآية: 19] . ومن أنزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (8) [سورة النجم، الآيتان: 3-4] .
ولأنبه إلى خطورة دعوى كثير من الناس معرفة المقاصد من أعمال القلوب مما لا يعلمه إلا الله -جل وعلا- وانشغلوا بما نهوا عنه وتكلموا شططا:
(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (9) [سورة الإسراء، الآية: 36] . وأنى لنا بمعرفة أسرار القلوب وخواطرها:
ومكلف الأشياء فوق طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
لماذا الحديث عن القلب
يكتسب الحديث عن القلب أهمية خاصة، لعدة أمور أجملها فيما يأتي:
أولا: أن الله -سبحانه وتعالى- أمر بتطهير القلب، وتنقيته، وتزكيته، بل جعل الله -سبحانه وتعالى- من غايات الرسالة المحمدية تزكية الناس، وقدمها على تعليمهم الكتاب والحكمة لأهميتها، يقول الله -تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (10) [سورة الجمعة، الآية: 2] . قال ابن القيم -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (11) [سورة المدثر، الآية: 4] . جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هنا: القلب (12) .
ويقول - سبحانه وتعالى- عن اليهود والمنافقين: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (13) [سورة المائدة، الآية: 41] .
فهذا سبب بارز ومهم للحديث عن القلب.
ثانيا: أثر هذا القلب في حياة الإنسان فهو الموجه والمخطط، والأعضاء والجوارح تنفذ.
(1) - أصل هذه الرسالة محاضرة ألقاها المؤلف فأذن لنا مشكورا بإخراجها.
(2) - سورة آل عمران آية: 102.
(3) - سورة النساء آية: 1.
(4) - سورة الأحزاب آية: 70.
(5) - سورة الملك آية: 14.
(6) - سورة طه آية: 7.
(7) - سورة غافر آية: 19.
(8) - سورة النجم آية: 3-4.
(9) - سورة الإسراء آية: 36.
(10) - سورة الجمعة آية: 2.
(11) - سورة المدثر آية: 4.
(12) - رسالة أمراض القلوب ص 52.
(13) - سورة المائدة آية: 41.