د.عدنان علي رضا النحوي
سؤال يسأله بعضهم ، وسؤال يُفكِّر به الكثيرون ، وسؤال تثيره الأوضاع السياسية المشاهدة في الواقع !
إن التناقض الواضح بين ما يدرسه المسلم في كتاب الله وسنَّة رسوله وبين ما يشاهده في الواقع سبب رئيس لإثارة هذا السؤال .
الإسلام يدعو إلى الأخلاق . والأخلاق في الإسلام ليست قضيّة مستقلة تُدْرس وحدها وتُمارسُ وحدَها . إنها قضية داخليّة في صميم نسيج الإسلام ، فهي مع كلِّ حركة وكلِّ نشاط وكلِّ ميدان . وهي عطاء الإيمان والتوحيد ، وعطاء الشهادتين والشعائر ، وهي عطاء كلّ ممارسة إيمانية في أيِّ ميدان من ميادين الحياة !
الأخلاق إذا خلت من أيّ عطاء أو ممارسة فإنَّ العطاء والممارسة لا يعودان من الإسلام .
الأخلاق تتمسك بكل خير وحق وفضيلة ، وتدعو إلى كلِّ برٍّ وعدلٍ ورحمةٍ، وإلى نبذ الكذب والغش والخداع ، والظلم والعدوان ، والسرقة والافتراء، والخيانة ، والزنا وسائر الفواحش ، والخمر والمخدرات ، والعجز والكسل ، والنفاق ، وكثير غير ذلك ، مما أتت به الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة .
كيف يمكن أن تقوم الحياة ، أو يسودها العدل والبرُّ والرحمة إذا خلت الحياة من هذه الأخلاق . أيُعقل أن يسود العدل والمساواة والقسط إذا كان الذين يديرون الأمور مخمورين ، سكارى ، كذَّابين ، منافقين ، يعبدون الأهواء والشهوات ؟!
وإذا نظرنا إلى واقع البشريّة اليوم وما نرى فيها من حروب ومجازر ، ومظالم وعدوان ، وفساد وشر ، وإذا تساءلنا ما سبب ذلك ، لكان الجواب المباشر الأول هو فقدان الأخلاق !
لقد امتدَّ الكذب والخداع ، والتآمر ونجوى الكواليس ، وانتشرت ألوان وألوان من الفساد والجرائم تحت شعارات مزخرفة وزينة وفتنة .
وعندما تدرَّس السياسة في الجامعات هل تدرّس معها مكارم الأخلاق ، أم تدرَّس أساليب الخداع والكذب والمناورات ، والتنافس على الدنيا في جميع ميادينها .
لا ننسى مدرسة نيقولو ميكافيلي ( 1469 - 1527م ) الفيلسوف السياسي الإيطالي الذي دعا في كتابه:"الأمير"الذي قدَّم فيه نصائح عملية لرئيس أيّ دولة إذا أراد أن ينجح . وكان محور نصيحته تلك أنه يجب على الرئيس أن يتجاهل الاعتبارات الخلقية كليّة ، ويعتمد على القوة والدهاء ، والكذب والغش ، واستعمال القوة دون أيّ شفقة أو رحمة . ويستطرد في نصيحته للأمير:"بأن لا يعتمد على الاحتفاظ بإيمانه ودينه إذا كان ذلك يتعارض مع مصلحته ..."!
من هنا ينكشف التناقض في الفكر والنفسية حين يقول:"... إذا كان ذلك يتعارض مع مصلحته ..."! فما هي المصلحة التي تتعارض مع الإيمان والدين . إنها مصلحة الدنيا وأهوائها وزهوتها وشهواتها ! وهنا تكمن المفارقة والمفاصلة والحسم .
ولقد امتدَّ تأثير هذه الفلسفة المضللة إلى عدد غير قليل من زعماء العالم وقادته الذين ارتكبوا خلال حكمهم أبشع الجرائم ، مثل نابليون بونابرت ، وهتلر ، وموسوليني ، وستالين ، وغيرهم !
محور فكر"ميكافيلي"وأساس التصوّر وميزان المصلحة عنده هي الدنيا:
(الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) [ إبراهيم: 3 ]
وفي التصوّر الإيماني ، كما يقرره الكتاب والسنَّة فإن الميزان ميزان آخر. فالهدف الأكبر هو الدار الآخرة ، الحياة الحقيقية الدائمة ، وما الحياة الدنيا إلا دار ابتلاء وتمحيص ، يأخذ المؤمن الصادق منها ما يعينه على بلوغ الدار الآخرة والفوز بالجنَّة !
( وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [ يوسف: 109 ]
نهجان مختلفان ومصيران مختلفان:
(إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [يونس: 7-8]
هذا نهج الدنيا ونهج ميكافيلي ، وهناك النهج الآخر:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ يونس: 9-10]
نهج الضلال ونهج الحقِّ والرشدِ ... ... نهجان قد ميّز الرحمن بينهما
نهج الفساد ولا صدقاً على فَنَدِ ... ... لا يجمع الله نهج المؤمنين على
من هنا يتضح بشكل حاسم أن السياسة في ميزان الإسلام أخلاق ، ووفاء وصدق ، كما فصَّل ذلك منهاج الله . إنه صدق يقوم على الإيمان والتقوى والعلم، ووفاء يقوم على الوفاء الأول بعهد الله ، وموالاة تقوم على أساس الولاء الأول لله، ومحبَّة تنبع من الحبِّ الأكبر لله ولرسوله وترتبط به وتسير معه .