فهرس الكتاب

الصفحة 14643 من 27345

حفظ النسل من خلال التنشئة والرعاية(1 / 5)

د. فريدة صادق زوزو 8/5/1426

توطئة:

تستمد الأحكام التفصيلية للمحافظة على النسل وإعداده للاستخلاف من الشريعة الإسلامية، وإن كانت طرق رعاية الأولاد وتربيتهم قد جبل عليها الإنسان بفطرته؛ إلا أن الشارع الحكيم أسس قواعد وحدد ضوابط تقوم عليها الرعاية في كل زمان ومكان، تماشيا مع الفطرة، وتصحيحا للطبائع القبيحة، مثل ما كان في الجاهلية من قتل البنات،"وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت" [التكوير: 8] ، فهذا طبع ينافي الفطرة السليمة في حب الأولاد سواء أكانوا ذكورا أم إناثا، ومثله ما جاء عن قتل الأولاد عموما، قال تعالى:"ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق" [الإسراء: 31] .

وهذه الضوابط مما استوعبتها النصوص التالية؛ في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة" [التحريم: 6] ، وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول، والرجل راعٍ على أهله وهو مسؤول، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسؤول، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول" (1) .

فهذه النصوص تبين قواعد الرعاية والحفظ بما يقوِّم صحة وصواب التربية على الأسس القرآنية والنبوية؛ وهذه الضوابط لا يمكنها أن تؤدي دورها في غياب المحضن الأسري الذي يجمع أفراد العائلة الواحدة؛ الذين جمعهم عقد زواج شرعي بين الأب والأم، وتحقق المقصد الأصلي بالتناسل، وقد قال تبارك وتعالى:"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" [النساء: 1] ، فالنسل هو خلف الزواج.

وبوجود الأسرة وتعدد الأفراد فيها، تتحدد وظيفة كل فرد في هذه الأسرة، حقوقا وواجبات، بما يحقق التكامل الذي يتكفل بالنسل رعاية وتنشئة. هو الذي سيتضح في هذه الدراسة بمبحثيها؛ حيث يعرض المبحث الأول لأهمية الكيان الأسري في الرعاية والتنشئة الاجتماعية عموما، ويتخصص مجال الدراسة في المبحث الثاني في طرق كفالة اليتيم في غياب الأسرة، وقد اخترت هذا النموذج لما ورد فيه من تفصيل في آي القرآن وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، هذا التفصيل الذي نستمد منه أهم قواعد الرعاية والتي نعتمدها كنموذج عام يسترشد به في مجال التربية والرعاية، وهو ما سأحاول تطبيقه مع رعاية ذي العاهة الذي لم تفصل طرق رعايته بالكيفية الأولى، سوى ما استنبط من مقاصد الشارع الحكيم؛ مثل مقصد الرحمة، ومقصد السماحة والتسامح، ومقصد المساواة وغيرها.

المبحث الأول: التنشئة والرعاية الأسرية

المطلب الأول: وظائف الأسرة ودورها في حفظ النسل.

تتأسس وظائف الأسرة على عقد الزواج والمقاصد التي ينبني عليها،"فالسبيل الأول لتكوين الأسرة هو نظام الزواج" (2) ، ففي قوله تعالى:"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" [الروم:21] تبيان للقواعد الروحية المُؤَسِسَة للكيان الأسري، بالسكينة التي تظلل على الزوجين، والمودة والرحمة التي تجمعهما ما طالت الحياة بينهما.

وبإيجاد النسل يكتمل البناء الأسري، كما يبينه الخالق تبارك وتعالى في قوله:"هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين" [الأعراف: 189] . حيث يعدّ مجيء الأولاد الانتقال بالأسرة إلى عهدها الذهبي، وهو"عهد الاستقرار والفهم الصحيح للحياة الأسرية، والإدراك المباشر لمسؤولياتها" (3) ، مما يتطلب تغيرا في مسؤوليات الزوجين، من فردين إلى مسؤولين على رعاية وتنشئة نسلهما.

وقد حددت وظائف كل من الزوجين بما يتفق وخصائص الرجل والمرأة في الآية الكريمة في قوله تعالى:"ولوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير" [البقرة: 233] ، كما يتبين ذلك أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم:"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت