فهرس الكتاب

الصفحة 9640 من 27345

يتناول الدرس الكسل، أو التراخي،أو الانقطاع بعد النشاط الدائب، والحركة المستمرة، وماهي أسباب ذلك، وأثر الفتور على العاملين وعلى العمل الإسلامي، وما هي مظاهر الفتور، وأهم الوسائل المعينة على علاجه .

معناه:

لغة: يطلق الفتور لغة على معنيين: الانقطاع بعد الاستمرار، أو السكون بعد الحركة. والكسل، أو التراخي، أو التباطؤ بعد النشاط والجد.

اصطلاحا: ' هو داء يمكن أن يصيب بعض العاملين، بل قد يصيبهم بالفعل، أدناه: الكسل، أو التراخي، أو التباطؤ، وأعلاه: الانقطاع، أو السكون بعد النشاط الدائب، والحركة المستمرة'. قال تعالى عن الملائكة: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [19] يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [20] [سورة الأنبياء"] أي: [ أنهم في عبادة دائمة ينزهون الله عما لا يليق به، ويصلون، ويذكرون الله ليل نهار، لا يضعفون ولا يسأمون] .

أسباب الفتور:

1-الغلو والتشدد في الدين: بالانهماك في الطاعات، وحرمان البدن حقه من الراحة والطيبات؛ فإن هذا من شأنه أن يؤدي إلى الضعف، أو الملل؛ إذ للإنسان طاقة محدودة، فإذا تجاوزها اعتراه الفتور، فيكسل أو ينقطع؛ ولعل ذلك هو السر في تحذير الإسلام الشديد، ونهيه الصريح عن الغلو، والتنطع، والتشديد:

إذ يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [...إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ] رواه النسائي وابن ماجه. ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا" رواه مسلم وأبوداود وأحمد. يعني: المتعمقين المجاوزين الحدود في أقوالهم، وأفعالهم.

وَعَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: [ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي] رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد.

وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ: [مَنْ هَذِهِ] قَالَتْ: فُلَانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا قَالَ: [ مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا] وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. رواه البخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجه والنسائي وأحمد.

2-السّرف ومجاوزة الحد في تعاطي المباحات: وهذا من شأنه أن يؤدي إلى السمنة وضخامة البدن، وسيطرة الشهوات، وبالتالي التثاقل، والكسل، والتراخي- إن لم يكن الانقطاع، والقعود- ولعل ذلك هو السر في نهي الله ورسوله، وتحذيرهما من السرف:

قال تعالى: يَابَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [31] [سورة الأعراف] .

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ...] رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد .

وقد أدرك سلف الأمة ما يصنعه السّرف، والتوسع في المباحات بصاحبه؛ فحذروا منه، إذ يقول عمر رضي الله تعالى عنه: [ إياكم والبطنة في الطعام والشراب، فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما؛ فانه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين، وإنّ الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت