فهرس الكتاب

الصفحة 17138 من 27345

أحمد فهمي

مجلة البيان العدد 208 ذو الحجة 1425هـ فبراير 2005م

بعد مرور 20 شهرًا على سقوط نظام صدام لم يعد مصطلح «شيعة العراق» يقدم لنا دلالة واضحة على مجريات الأحداث، وبدلًا من ذلك يصبح استخدام تسميات أخرى مثل «تيار الصدر، المجلس الأعلى، حزب الدعوة، فيلق بدر.. إلخ» ذا دلالة أكثر دقة وموضوعية وإرباكًا في الوقت نفسه؛ لأنه في الشأن الشيعي هناك عدد هائل من التساؤلات التي يصح الإجابة عنها برأيين متعارضين، وتصريحات يصعب حصرها تحتمل كلا الوجهين، ومواقف متباينة يتخذها حزب أو تيار واحد في أوقات متقاربة. وفي الحقيقة فإنه يمكن تشريح المجتمع الشيعي باعتبارات متعددة: الانتماء التنظيمي، المرجعية، الولاء لأطراف خارجية، الموقف من: الاحتلال، الانتخابات، أهل السَّنة، ولاية الفقيه، وإقامة دولة دينية.. إلخ، ولا يكاد يوجد فصيلان يتخذان موقفًا موحدًا من هذه القضايا الحيوية، وأي تحالفات داخلية بين الشيعة هي مؤقتة؛ لأن مفهوم الولاء والبراء ليس له مدلول واضح في الثقافة الشيعية؛ فهو قابل للتعديل أو التغيير أو الإلغاء.

وقد نشرت مجلة النيوزويك (16/12/2001م) تحقيقًا عن شيعة العراق قالت فيه: (قد يبدو شيعة العراق من الخارج مجموعة متجانسة ولكن عند النظر إليهم من الداخل يتبين أنهم يشكلون تركيبة معقدة وغاضبة من التنافس على المال والسلطة) .

وهذا التنافر الشديد في البناء الشيعي الداخلي أنتج مظاهر وصورًا كثيرة من التناقضات والاضطرابات التي تزيد وترسخ من تبعية الكيانات الشيعية للأطراف الخارجية؛ بحيث يحق لنا أن نقول إن شيعة العراق «مجازًا» إنما ينفذون في الأساس أجندات تلك الأطراف، وحتى هدف إقامة دولة شيعية مستقلة الذي يعتبره أغلبية الشيعة مشروعهم القومي يكتنفه الغموض سواء ذلك في إمكانية تنفيذه أو القدرة على حمايته في حال تحققه، مع اعتبار أن العقبة الأولى في طريق نجاح هذا المشروع هم الشيعة أنفسهم قبل غيرهم.

ونسعى في هذا المقال إلى تقديم رؤية تحليلية للعلاقات المتبادلة بين الشيعة في العراق والطرفين الخارجيين الأبرز وهما: إيران وأمريكا، مع التقديم لذلك بإلقاء الضوء على التناقضات التي يعاني منها الشيعة والتي لها تأثير كبير على قدرتهم على تحقيق مشروعهم القومي.

الفسيفساء الشيعية في العراق:

حتى تتكون لدينا صورة واضحة عن الأداء المركب للتيارات الشيعية العراقية سوف نستخدم منهجًا تحليليًا مزدوجًا يبدأ بتشريح التيارات الشيعية أفقيًا لبيان حجم التنافر والتناقض فيما بينها، ثم نُثنِّي بتحليل رأسي لإظهار التناقض داخل التيار الواحد أو في مواقف إحدى القيادات.

ينقسم الشيعة بداية باعتبار مرجعيتهم المكانية والبشرية؛ فمدينة قم يمثلها كمرجعية المجلس الأعلى للثورة، بينما يرتكز حزب الدعوة على الحوزة العلمية في كربلاء، ومنظمة العمل الإسلامي تعتمد مرجعية النجف وبالأخص محمد صادق الشيرازي، وبين المدن الثلاث تنافس كبير في جذب الشيعة، وذلك بالإضافة إلى تعدد المرجعيات العلمية التي يختص كل منها بأتباع ومقلدين، وفي دلالة على هذا الزحام المرجعي فإن بوابة المرقد المزعوم للحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ في كربلاء مغطاة تقريبًا بملصقات دعائية كثيرة لرجال دين متنافسين يقيم بعضهم في العراق وآخرون في إيران.

ومن التقسيمات التي أحدثت شرخًا في البناء الشيعي: التفرقة بين شيعة الداخل والخارج؛ فالفريق الأول يعتبر نفسه تحمل المشاق وعانى الكثير من نظام صدام وفي مقدمة هؤلاء بالطبع تيار الصدر، في حين أن التيارات الخارجية مارست نشاطها في ظروف إيجابية وتلقت الدعم من قوى عظمى مثل الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال فإن عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عاش في الكويت 23 عامًا قبل أن يعود إلى العراق على ظهر دبابة أمريكية، ولذلك يقول كاظم العبادي الناصري أحد مساعدي الصدر: «أي شخص تدعمه أمريكا يستحق لعنتنا.. أولئك الذين يدعون أنهم شخصيات معارضة كانوا خونة غادروا العراق وتركونا نعاني هنا» . وينبغي هنا إثبات خطأ الادعاء بأن كل الشيعة كانوا يعانون من نظام صدام؛ فقد كان 58% من كوادر حزب البعث في محافظات الجنوب ونسبة كبيرة من شاغلي المناصب الحكومية من الشيعة (الحياة 6/12/2004م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت