وبالنظر إلى قضايا الشورى والولاية وغيرها فإن هناك خلافات واضحة بين المجلس الأعلى ومنظمة العمل الإسلامي من ناحية، وبين المجلس وحزب الدعوة من ناحية أخرى، وأصل الخلاف يرجع إلى تأثر المجلس بالرؤية الإيرانية للدولة الإسلامية الشيعية، كما أن منظمة العمل تأسست أصلًا نتيجة الخلاف مع حزب الدعوة حول تلك القضايا، أما تيار الصدر فبعد أن كان ينادي بتعريب أو «تعريق» المرجعيات الدينية تغير موقفه من إيران، وصار مقتدى الصدر ينظر إلى نظام طهران باعتباره نموذجا يُحتذى به في تطبيق مفهوم ولاية الفقيه، ويقول مقتدى: «أريد أن يحكم العراق رجل دين شيعي سواء كان عراقيًا أو إيرانيًا، وأفضّل أن يحكمه شخص مثل الخميني من أي عراقي علماني» . ويلاحظ طبعًا استبعاده لأن يحكم العراق رجل من السنَّة.
وفي المقابل فإن السيستاني يرفض مبدأ ولاية الفقيه، وأصدر فتوى بعد الاحتلال مباشرة ينادي فيها بابتعاد رجال الدين عن الشؤون الإدارية والتنفيذية والسياسية، كما يؤكد على أن الفتاوى الصادرة عن رجال دين أحياء هي فقط التي ينبغي أن تتبع، وهو يلمح بذلك إلى اعتماد مقتدى الصدر على والده في فتاواه القديمة، وبين الطرفين يقف المجلس الأعلى؛ حيث كان محمد باقر الحكيم الذي اغتيل قبل عام تقريبًا يرى اتباع مبدأ ولاية الفقيه، ولكن وفق رؤية عراقية ترسخ دولة المجتمع المدني.
وبالطبع هناك التوجهات الشيعية العلمانية وأبرزها حزب الوفاق وزعيمه إياد علاوي، والمؤتمر الوطني بزعامة أحمد الجلبي، وهؤلاء يتبنون دولة علمانية، ولكن يعترفون بقدر من السيطرة للمرجعيات الشيعية.
وعادة ما تبدي الفصائل الشيعية اتفاقًا نسبيًا فيما بينها تجاه قضية محورية كما يحدث حاليًا؛ حيث يشارك أغلب الشيعة ضمن قائمة السيستاني، ولكن بمجرد انتهاء الانتخابات سيتلاشى هذا الاتفاق المصلحي تمامًا؛ والشاهد على ذلك أنه قبل الاحتلال الأمريكي للعراق كان هدف إسقاط صدام هو تقريبًا الشيء الوحيد الذي يجمع هذه الفصائل الشيعية، وبعد الاحتلال مباشرة لم يعد ذلك الشيء الذي يوحدهم موجودًا، ومن ثم اشتعلت حرب تنافسية شديدة بين هذه الفصائل؛ فقد تدافعت عناصر فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى من إيران، ودخلوا إلى العديد من المدن الجنوبية، وشكلوا لجانًا ثورية بالاستعانة بالخبرة الإيرانية عند بداية ثورة الخميني، واحتلوا مباني وإدارات حكومية، وقاموا بإبعاد السنة من الوظائف، ودفعوا رواتب للطلبة والعلماء والشباب لكي ينظموا تظاهرات تعلن تأييدها للحكيم. وفي نفس الوقت سارع تيار الصدر إلى منافستهم بتأسيس العديد من المراكز والفروع التابعة له، وأغدق الأموال على الموظفين الحكوميين، ونشر ميلشيا مسلحة في بعض المناطق بحجة حفظ الأمن، وظل الصراع بين الطرفين قائمًا إلى الوقت الحالي، وقد وجه تيار الصدر اتهامات صريحة إلى فيلق بدر بتقديمه دعمًا مباشرًا لقوات الاحتلال في صراعها مع جيش المهدي التابع له، كما أعلن علي سميسم المتحدث باسم مقتدى الصدر أن هناك أطرافًا شيعية تحيك مؤامرة ضد تيار الصدر وسمى منها صراحة المجلس الأعلى وحزب الدعوة، ولكنه لم يحدد طبيعة المؤامرة. والطريف هنا أن حزب الدعوة أسسه المرجع الشيعي محمد صادق الصدر أحد عمومة مقتدى، ولكن حدثت انشقاقات في الحزب بعد اغتيال مؤسسه أخرجته عن سيطرة عائلة الصدر.
وعلى صعيد التحالفات المتناقضة، على سبيل المثال؛ فإن المجلس الأعلى بزعامة الحكيم تأسس في إيران وتلقى دعمه الرئيس من نظامها، وفي الوقت نفسه ظل يحتفظ بعلاقات قوية مع الأمريكيين؛ بل إن عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس كان يتولى لسنوات طويلة من الكويت مهمة التنسيق مع الجانب الأمريكي في جهود إسقاط نظام صدام، ولكن عندما تحقق لهم ما يريدون بغزو العراق أعلن باقر الحكيم مؤسس المجلس إدانته للهجوم الأمريكي، وحذر الأمريكيين من المقاومة المسلحة إذا بقوا في العراق بعد صدام، وبالنسبة للسيستاني فقد امتُدح من قِبَل المسؤولين الأمريكيين لأنه اتخذ موقف الحياد الإيجابي من الاحتلال؛ وذلك بينما كان في سبتمبر/ أيلول عام 2002م قد أصدر فتوى يقول فيها إن من يساعد الأمريكان سيحيق به العار في الدنيا، ويلقى العقاب في الآخرة.
هذا قبس من التناقضات التي يعاني منها الشيعة في علاقاتهم الحزبية بصورة عامة، ولو ألقينا نظرة رأسية على نماذج من التيارات والقيادات الشيعية فسنجد التناقضات نفسها مترسخة داخل التيار الواحد وفي مواقف الزعامة الواحدة، ونأخذ مثالين: تيار الصدر، وتيار السيستاني.