الانتصار واللاءات الثلاث 9/8/1425
أ.د. ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إن أسباب الانتصار التي أشارت إليها سورة يوسف كثيرة، قد مضت الإشارة إلى نذر منها، وفي هذه المقالة أستكمل ما بدا لي من أهمها، فمن أعظم أسباب انتصار يوسف: اطراده في منهجه اطرادًا عجيبًا من أول لحظات حياته حتى آخر لحظة، وهو يمشي على خط مستقيم، نقول هذا ونحن نرى الاضطراب في حياة بعض الدعاة، نرى الاضطراب في حياة ومناهج بعض المؤسسات والجماعات الإسلامية، تنشأ الجماعة على منهج، بعد عدة سنوات فإذا هي تغير، بعد ثلاثين أو أربعين سنة فإذا الجماعة التي نشأت ليست هي الجماعة اليوم في منهجها وإن بقي اسمها وإن بقي بعض الرموز، بعض الدعاة يجلس عدة سنوات يدعو الناس إلى منهج سليم، وعندما يعرف وتبدأ انتصاراته، يبدأ التغير أو بعد أن يبتلى أو غير ذلك من الأسباب. يوسف _عليه السلام_ لم يتغير أبدًا من أول لحظة في حياته إلى آخر لحظة، مطرد"فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (الزخرف:43) . هذا الاطراد من أقوى عوامل الانتصار، وهذا يغفل عنه كثير من الدعاة، ولذلك يقولون: لماذا فشلنا؟ لماذا لم ننتصر؟
لأنكم لم تنتصروا على أنفسكم، لم تلتزموا بالمنهج الحق كما التزم به محمد _صلى الله عليه وسلم- صاحب المنهج الذي لا يتغير لا في السراء ولا في الضراء، لا تزيده المحن إلا قوة وثباتًا واطرادًا"الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ" (العنكبوت:2) "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة:214) نصر الله قريب. المشكلة فينا وفي التزامنا بهذا المنهج.
ومن أعظم مقومات الانتصار، عدم الاستعجال أو التنازل أو اليأس والقنوط، وأسمّيها، اللاءات الثلاث، فإذا أردت الانتصار فلا للاستعجال، ولا للتنازل، ولا للقنوط، وقد درست واقع كثير من الجماعات الإسلامية، وتساءلت لماذا لم تحقق ما كانت تعد به؟ فوجدت أن لذلك أسبابًا كثيرة، ولكن من أبرزها أن هناك فئة مستعجلة، تريد أن تحقق الانتصار في مدة قياسية، فترتكب أعمالًا تتنافى مع المنهج بسبب الاستعجال.
ومن أمثال هؤلاء الذين يدعون قومهم وبعد أن يدعوهم مدة من الزمن ولا يلمسوا استجابة منهم يقوموا عليهم فيواجهونهم بالسلاح فتنشب حرب في غير مكانها وغير زمانها، وكم أضر الأمة أمثال هؤلاء المتعجلين! بينما صبر ألوا العزم من الرسل حتى جاء نصر الله.
أما التنازل، فكم أوقع من أناس، تقوم جماعتهم وترسم منهجها وما تريد أن تربي الناس عليه، وبعد مرور الزمن تلاحظ أنها لم تحقق ما وعدت به أتباعها، فيبدأ التنازل وتبدأ المساومة مع الظالمين، حتى تنتهي تلك المؤسسة أو تلك الجماعة أو ذلك الفرد إلى شكل دون حقيقة، ونجد في النهاية أنه لا فرق بينهم وبين الظالمين إلا في أمور يسيرة، وهذا تنازل في دين الله، وركون إلى الذين ظلموا.
وفئة ثالثة عملت في الدعوة -وغالبًا يكون هذا على مستوى الأفراد- ومرت عليهم الأيام والأعوام، لم يستعجلوا ولم يتنازلوا، ولكنهم لما لم يروا استجابة الناس لهم يئسوا وقنطوا فانسحبوا من الساحة!
أما يوسف _عليه السلام_ فقد حارب كل هذه الأشياء،"إنه من يتق ويصبر"فلا استعجال ولا تنازل ولا يأس أو قنوط.
أيها الدعاة، يا أصحاب المؤسسات الدعوية، ما مقدار التزامكم بهذه القضايا الكبرى؟ هل أنتم تتعجلون؟ إن نجوتم من هذا فهنيئًا لكم، هل أنتم تتنازلون باسم المصلحة العامة، إن كنتم لا تتنازلون فهنيئًا لكم، هل دب اليأس والقنوط إلى قلوبكم؟ إن لم يكن كذلك فهنيئًا لكم.
فهذه مقومات مهمة في انتصار المسلم، وما أخذ بها فرد أو مؤسسة أو أمة إلا انتصرت، الانتصار بمعناه الحقيقي، وليس الانتصار هو الحصول على الملك، بل الحصول على الملك نوع من أنواع الانتصار، وأعظم الانتصارات هو انتصار المنهج، ولذلك يأت النبي يوم القيامة ومعه الرهط والرهيط، ويأت النبي ومعه الرجل والرجلان، ويأت النبي ليس معه أحد، كما في الحديث الصحيح، ويقول _صلى الله عليه وسلم_:"رأيت نبيًا من الأنبياء ما آمن معه إلا رجل واحد".