الصفحة 1 لـ 2
الحلقة الأولى
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه ، وبعد: فإن الناظر اليوم في أكثر بلدان المسلمين وأحوالهم ليحزنه ما ظهر في هذا الزمان من نبذ لشريعة الله عز وجل وتحاكم إلى القوانين الوضعية التي تقنن الظلم وتهدر قيمة الإنسان ، وتحطم القيم والأخلاق وتجعل الناس مستعبدين لحفنة من شياطين الإنس الذين كرهوا ما أنزل الله تعالى فظلموا وبغوا في الأرض بغير الحق ، وكثرت من جراء ذلك المظالم بين الناس ؛ حيث لا رادع من دين ولا سلطان ، وبغى الناس بعضهم على بعض وامتلأت المحاكم ودور القضاء من خصومات الناس ومظالمهم . ولم يقف هذا الداء العضال عند عامة المسلمين وسلاطينهم فحسب ، بل تعداهم إلى بعض أهل الخير والدعوة فيهم ، فظهرت صور من البغي والظلم بين بعض الدعاة والصّلاّح ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وفي هذه الدراسة إن شاء الله تعالى ذكرٌ لبعض صور الظلم الشائعة في هذا الزمان ؛ لعل في ذكرها نصيحة وعظة لنفسي وإخواني المسلمين .
وأبدأ الموضوع بمقدمة مهمة تتضمن تعريف الظلم وحقيقته وما ورد في ذمه من بعض الآيات والأحاديث والآثار .
كما تتضمن بيان أقسام الظلم وما يتفرع عن كل قسم من بعض الصور والمظاهر .
تعريف الظلم وحقيقته:
(( الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه ، ومن هذا يقال: ظلمت السقاءَ ، إذا تناولته في غير وقته ويسمى ذلك اللبن ظليمًا . وظلمت الأرض: حفرتها ولم تكن موضعًا للحفر ، وتلك الأرض يقال لها: المظلومة ، والتراب الذي يخرج منها ظليم) (1) اهـ .
وفي القاموس المحيط: ( الظلم بالضم: وضع الشيء في غير موضعه ) (2)
وفي ضوء هذه التعريفات يتبين لنا أن كل ذنب عُصي الله به سواء كان ذلك الذنب شركًا بالله عز وجل أو دون ذلك من سائر المعاصي ومظالم العباد ، داخل في مسمى الظلم ؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه الذي يرضاه الله عز وجل مع التفريق بين ظلم أكبر وظلم دون ظلم ؛ كما سيتبين في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى .
والظلم مصدر ظَلَمَ ، والذي يفهم من لفظ الظلم وجود ظالم صدر منه الظلم ، ومظلوم وقع عليه الظلم ، فمن هو الظالم ومن هو المظلوم في ضوء الكتاب والسنة ؟
إنه هذا الإنسان المسكين ؛ فهو الظالم والمظلوم ؛ حيث ظلم نفسه وأوبقها ، وظلم عباد الله عز وجل فأساء إليهم وأساء إلى نفسه وظلمها بما يعرضها له من العقوبات في الدنيا والآخرة .قال الله عز وجل: (( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أََنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) [البقرة: 57] .
وقال سبحانه: (( سَاءَ مَثَلًا القَوْمُ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ) ) [الأعراف: 177] .
وقال تعالى: (( إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) [يونس: 44] .
والآيات الواردة في ذم الظلم وأهله كثيرة جدًا ومتنوعة ، ويمكن تقسيمها إلى
المجموعات الآتية:
1-ما ورد في وصف الشرك والكفر بالظلم والمشركين والكافرين بالظالمين
ومنها قوله تعالى: (( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ) [لقمان: 13] وقوله تعالى: (( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) [البقرة: 254] .
2-ما ورد في ذكر خيبة الظالمين ومقت الله لهم وعدم هدايتهم وتوفيقهم يقول
تعالى: (( إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) ) [الأنعام: 21] , (( فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ) [المؤمنون: 41] .
3-ما ورد في ذكر إهلاك الله تعالى للظالمين في الدنيا وما أعده لهم من النكال والعذاب في الآخرة . يقول تعالى: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ) [هود: 102] .
وقوله تعالى: (( وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ) ) [سبأ: 42] .
4-ما ورد في وصف ما دون الشرك من المعاصي بالظلم سواء ما كان منها بين العبد وربه أو ما كان ظلمًا للعباد ومنها قوله تعالى: (( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) ) [الطلاق: 1] .
وقوله تعالى: (( إنَّ الَذِينَ يًَاكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يًَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) ) [النساء: 10] .
5-ما ورد في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم ، وأمره سبحانه بالعدل ، ومحبته للمقسطين يقول تعالى: (( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ) ) [غافر: 31] ، وقوله تعالى: (( وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) ) [الحجرات: 9] .
أما الأحاديث الواردة في ذم الظلم وسوء عاقبة الظالمين فكثيرة جدًا أقتصر