منها هنا على بعض الأحاديث التي وردت في ذم الظلم وسوء عاقبة الظالمين بعامة .ويلاحظ أن معظم هذه الأحاديث كانت تتوجه إلى صورة واحدة من صور الظلم ألا وهو ظلم العباد والاعتداء على حقوقهم .
ومن هذه الأحاديث العامة ما يلي:
الحديث الأول:
عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: قال الله تبارك وتعالى: (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرمًا ؛ فلا تظالموا ... ) )الحديث القدسي (3) وكان أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.
الحديث الثاني:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) ) (4) .
الحديث الثالث:
عن أبي معبد مولى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن فقال: (( ... واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ) ) (5) .
الحديث الرابع:
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ) )ثم قرأ: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ) [ هود: 102] (7) .
وبعد هذه الأحاديث أذكر جملة من مواقف السلف رحمهم الله تعالى من الظلم ، وخوفهم الشديد من سوء عاقبته في الدنيا والآخرة:
* قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن أبي سَبْرة ، عن عبد المجيد بن سُهيل ، عن عوف بن الحارث: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة عند موتها ، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر ، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك ، فقلت: غفر الله لك كله وحلّلك الله من ذلك ، فقالت: سررتِني سرك الله . وأرسلت إلى أم سلمة ، فقالت: لها مثل ذلك (8) .
* وعن أبي الدر داء قال: (( إياك ودعوات المظلوم ؛ فإنهن يصعدن إلى الله كأنهن شرارات من نار ) ) (9) .
* وقال ميمون بن مهران: (( الظالم والمعين على الظلم والمحب له سواء ) ) (10) .
* وقال الشافعي رحمه الله تعالى: ( بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد) (11) .
أقسام الظلم:
يتفاوت الظلم من حيث شدته وعظمه وشناعته ومن حيث الجهة التي وقع عليها ، مع أن من صدر منه الظلم هو في حقيقته ما ظلم إلا نفسه ؛ لأنه أوبق نفسه بظلمه لها بالمعاصي ومظالم العباد .
وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- حديث اختلف العلماء في صحته ؛ فمنهم من ضعفه ومنهم من صححه ، لكنه يُستأنس به في هذا المجال وبخاصة أنه صحيح المعنى ، وقد اعتمده كثير من السلف في ذكر أنواع الظلم وصوره . ونص الحديث: عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (( الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله ، وظلم يغفره ، وظلم لا يتركه ؛ فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك ، قال الله: (( إن الشرك لظلم عظيم ) )، وأما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم ، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدير لبعضهم من بعض )) (12)
وفي ضوء هذا الحديث وما ذكره العلماء حول أنواع الظلم فإنه يمكن تقسيم الظلم إلى قسمين كبيرين يندرج تحتهما أنواع الظلم الثلاثة المذكورة في الحديث ،
وهذان القسمان هما:
1-الظلم الأكبر: وهو ظلم العبد نفسه بالكفر والإشراك بالله عز وجل.
2-الظلم الأصغر: وهو ما دون الشرك، وهو نوعان:
(أ) ظلم النفس بالمعاصي فيما بينها وبين الله عز وجل.
(ب) ظلم النفس بمظالم العباد والتعدي على حقوقهم.
والكلام الآن حول هذه الأنواع الثلاثة:
1-ظلم النفس بالظلم الأعظم ؛ وهو الإشراك بالله عز وجل .
2-ظلم النفس بظلم العباد .
3-ظلم النفس بالمعاصي فيما بينها وبين ربها عز وجل . (13)
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (( والظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشرك به ، فإن الله لا يغفر أن يشرك به ، وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا ، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا؛ فإن الله تعالى يستوفيه كله، وديوان لا يعبأ الله به ، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عز وجل فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا؛ فإنه يمحى بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك، بخلاف ديوان الشرك ؛ فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد ، وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها ، ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله عز وجل حرّم الجنة على أهله ، فلا تدخل الجنةَ نفسٌ مشركة ، وإنما يدخلها أهل التوحيد ؛ فإن التوحيد هو مفتاح بابها ، فمن لم يكن معه مفتاح لم يُفتح له بابها ، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يمكن الفتح به) (14)