فهرس الكتاب

الصفحة 8611 من 27345

ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: (( فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) ) [الأنعام: 81 ، 82] .

قال الله تعالى فاصلًا بين الفريقين: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا ) )أي: يخلطوا (( إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) )الأمن من المخاوف ، والعذاب والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم . فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقًا ، لا بشرك ، ولا بمعاصي ، حصل لهم الأمن التام ، والهداية التامة ، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده ، ولكنهم يعملون السيئات ، حصل لهم أصل الهداية ، وأصل الأمن ، وإن لم يحصل لهم كمالها . ومفهوم الآية الكريمة: أن الذين لم يحصل لهم الأمران ، لم يحصل لهم هداية ، ولا أمن بل حظهم الضلال والشقاء) (15) .

والحاصل مما سبق أن من كان ظلمه من جنس الظلم الأعظم والذي هو الشرك بالله عز وجل والكفر به سبحانه ومات منه بلا توبة فقد خاب الخيبة الأبدية ، وحرم مغفرة الله عز وجل وجنته، ومأواه جهنم خالدًا فيها وبئس مثوى الظالمين .ومن كان ظلمه دون ذلك فإنه يسلم من الخلود في النار بما معه من الإيمان .

ولكن إن كان ظلمه هذا متعلقًا بحقوق العباد ومات دون أن يرد الحقوق إلى أهلها فإن أمامه القصاص يوم القيامة بالحسنات والسيئات، وقد يتعرض بسبب ذلك للعذاب والتطهير.

وإن كان ظلمه لنفسه بمعاصي بينه وبين الله عز وجل ومات منها بلا توبة ، فإن كانت من الصغائر فإنها تكفرها الصلاة والقيام والحج وغيرها، إذا اجتنبت الكبائر وإن كانت من الكبائر فإن صاحبها تحت المشيئة إن شاء الله عاقبه بها ، وإن شاء عفا عنه بنحو الأسباب التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (16) ومن ذا الذي يقطع بمغفرة الله عز وجل ؟ ومن ذا الذي يطيق ولو لحظة واحدة في نار جهنم ؟

وبعد هذه المقدمة عن الظلم وأقسامه نفصل القول إن شاء الله تعالى في ذكر جملة من الصور المختلفة لكل قسم من أقسام الظلم ، وبخاصة ما ظهر منها وشاع في زماننا اليوم لعلنا نحذرها أو نتخلص منها إن وجدنا أنفسنا قد تلبسنا بها .

الحلقة الثانية

تقدم الحديث في الحلقة السابقة عن الظلم وحقيقته ، وما ورد في ذمه وسوء عاقبته وعاقبة أهله من الآيات والأحاديث والآثار ، كما سبق التعرف على أقسامه الرئيسة . وفيهذه الحلقة سنتعرف إن شاء الله تعالى على بعض صور الظلم المختلفة لكل قسم ، وبخاصة ما يتعلق منها بمظالم العباد .

القسم الأول: ظلم النفس بالظلم الأعظم:

وهو الكفر بالله تعالى والإشراك به سبحانه: قال الله تعالى: (( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) [البقرة: 254] .

وقال عز وجل: (( إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ) [لقمان: 13] ، وهذا النوع من الظلم لا يغفره الله عز وجل لو مات صاحبه بلا توبة ، وهو مخلد في النار . وكونه أعظم الظلم ؛ لأنه وضعٌ للعبادة في غير موضعها، وصرفها عن الله عز وجل الخالق الرازق رب العالمين إلى مخلوق ضعيف لا يملك نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا .

ومن صور هذا الظلم العظيم ما يلي:

أ - الشرك في الربوبية: وهو اعتقاد أن غير الله عز وجل يخلق أو يرزق أو يدبر شيئًا في هذا الكون من دون الله عز وجل أو مع الله عز وجل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا كشرك أهل التعطيل والفلاسفة ومن يقولون بقدم العالم ، وكشرك النصارى الذين يقولون: إن الله سبحانه ثالث ثلاثة، وكشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة ... إلخ .

ب - الشرك في الألوهية:

وهو اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية والطاعة والعبادة ، وهو شرك الجاهليين في القديم والحديث ، وهذا النوع من الشرك له صور كثيرة لا تخرج في مجملها عن الأنواع الآتية:

* الشرك في العبادة والنسك:

ومنها الخوف والرجاء والنذر والذبح والركوع والسجود والدعاء، وغير ذلك مما يصرفه المشركون إلى أوليائهم من الأحياء والأموات .

* الشرك في الطاعة والإتباع:

قال الله تعالى: (( وَإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) ) [الأنعام: 121] .

وقال تعالى: (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ) ) [التوبة: 31] .

وقد جاء في تفسير الآية أنهم أطاعوهم في تحليل ما حرم الله تعالى ، وتحريم ما أحل الله تعالى فكانوا بذلك متخذين أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله تعالى ، وأوضح مثال لذلك في زماننا ، ما يقوم به الطواغيت المشرعون من دون الله تعالى من وضع دساتير يظلمون بها عباد الله ويحكمون بها في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وفيها ما يضاد شرع الله عز وجل فمن رضي بها وأطاعهم فيها بعلم فقد أشرك ، واتخذهم أربابًا من دون الله عز وجل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت