يعتقد بعض المراقبين للأحداث أننا اليوم على مفترق طرق كالذي حدث أيام انهيار الامبراطوريتين الرومانية والفارسية ، وانبثاق الحضارة الإسلامية على حسابهما . وكالذي حدث أيام انهيار الدولة الإسلامية في الغرب ، وتراجعها في الشرق ، وانبثاق الحضارة الأوربية الحديثة على حساب طرد المسلمين من أوربا ، واستعمارهم في آسيا وافريقيا ....نحن على مفترق طرق: فيه أخذت بوادر السقوط تظهر على فرائص الحضارة الأوربية الحديثة المرتعدة . وأخذ الإنسان المعاصر يتلفت يمنة ويسرة ، يحاول أن يفهم مغزى الأحداث ويتنبأ باليد التي سوف تتناول الشعلة: شعلة الحضارة .ونحن نخطىء اليوم ـ خطأ تاريخيًا ـ عندما نعرض الإسلام عرضًا مجزءًا مفتتًا . ربما كان هذا العرض التجزيئى صالحًا عندما كان البناء الإسلامى قائمًا شامخًا قويًا لا يحتاج إلى أكثر من سد ثغرة هنا أو ثغرة هناك . أما اليوم ونحن نشهد الركام يتساقط حولنا فإن العرض التجزيئى يصبح عبثًا أو تخريبًا أو خطيئة . لأنك عندئذ إنما تأخذ قالبًا من البناء المتساقط لتقول: هذا هو الإسلام ، وهو أمر يدعو إلى السخرية .
لن يفهم الناس شيئًا عندما تحدثهم عن أهل الحل والعقد . ولكنهم يستعدون للفهم عندما نقدم لهم ذلك ضمن الإطار الحضارى الكامل . لن يفهم الناس عنا شيئًا عندما نحدثهم عن ربا التفاضل أو ربا النسيئة أو المضاربة ، ولكنهم يستعدون للفهم عندما نقدم لهم ذلك ضمن خطة بناء الحضارة في الإسلام . لن يفهم الناس عنا الكثير عندما نحدثهم عن حجاب المرأة وقوامة الرجل ، ولكنهم يستعدون للفهم عندما تخرج لهم هذه القضية كجزء طبيعي للحضارة الإسلامية . لن يفهم الناس شيئًا كثيرًا عندما نحدثهم عن وجوب إعفاء اللحية وستر العورة ، ولكنهم يدركون ذلك ضمن الحرص على شخصية الحضارة الإسلامية بسماتها العامة . القضية اليوم ـ وقد تهدم الكثير من البناء ـ هي قضية تقديم البناء في صورته الكاملة . البناء الكامل في جوهره الحقيقي . إنها قضية الحضارة . وجوهر الحضارة في الإسلام يتلخص في أنها مقصد شرعي قامت على التقدير الإلهى للحضارة: بناء من العلم والعمل والإيمان . ساحته التسليم للمالك . طاقته المحركة العبودية للخالق . آليته: سيطرة الآخرة على الدنيا .
وهكذا قامت الحضارة الإسلامية في أسمى صورها على يد بانيها الأكبر: محمد رسول الله r .
قيام الحضارة على هذه الأرض كان هو الهدف من هبوط آدم عليه السلام إليها .
ولما كان الهدف من خلق الإنسان هو في قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } 56 الذاريات ، فإن المقصد من إنزاله إلى الأرض هو في قوله تعالى: {...إني جاعل في الأرض خليفة } 30 البقرة . وهذه الخلافة هي جوهر مفهوم"الحضارة". الخلافة هي أن يخلف بعض بعضا. والمعنى الساذج لأن يخلف"بعض بعضا ً"لا يمكن أن يكون هو المقصود في قوله تعالى"خليفة". لأن جميع الحيوانات ـ بحكم التناسل ـ يخلف فيها بعض بعضا.
ولا يصح أن يكون المقصود بالخلافة قاصرًا على معنى الوكالة في التصرف ، فهذه الخلافة بمعنى الوكالة أيضا ًليست خاصة بالإنسان ، إذن لابد من خطوة أخرى لفهم الخلافة هنا: وهى أن يخلف اللاحق السابقَ في البناء على ما خلّفه . فتنشأ من عملية الخلافة طبقات متوارثة من البناء يتلوها طبقات.. وذلك هو خصوصية الإنسان فيما نعرف .وتلك هي خلافته . وتلك هي حضارته على امتداد التاريخ .
ومن هنا جاء تساؤل الملائكة ، واعتراض إبليس . جاء تساؤل الملائكة في قولهم: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .. } 30 البقرة
لا يمكن أن يعنى الملائكة بذلك .. المعنى الساذج من الفساد وسفك الدماء كالذي يحدث من أنواع الحيوان الأخرى ، وإلا لكانوا في مستوى من الإدراك لا يسمح لهم بهذا الخطاب الإلهي .
ولكنهم في تساؤلهم لاحظوا الجانب السلبي في عملية الخلافة وبناء الحضارة . كانوا يعنون مستوى عاليا من الفساد ، هو الفساد الحضاري أو الجانب السلبي في بناء الحضارة . ولذلك فإن الله ردهم ـ إجمالًا ـ إلى الجانب الإيجابي الذي جهلوه ( قال إني أعلم ما لا تعلمون . ) 30 البقرة
إذن فالحضارة مقصد إلهي شرعي ، ورد أساسًا في عملية إنزال الإنسان إلى الأرض . ومن هنا جاء قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ، فمن كفر فعليه كفره ، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارًا } 39 فاطر . إذن فهي خلافة ، وهى حضارة تحت مقاييس الإيمان والكفر .