اللواء الركن: محمود شيت خطاب
مستهل
لم تكن محاولات التفتيت الطائفي والعرقي للعرب جديدة، بل هي قديمة، ولكنّها استمرت بلا هوادة، تتصاعد تارةَ وتشتد، وتخفت أُخرى وتمهد، فلمّا جاورت اليهود العرب وكانت قريبة منهم في الجوار، تصاعدت تلك المحاولات واشتدت ، كما جرى في العراق على أيام البابليين والآشوريين، وفي منطقة المدينة المنورة على عهد الرسالة، وفي البلاد العربية عامةً بعد ظهور الكيان الصهيوني في الأرض العربية المحتلة: فلسطين.
الصهيونية ظهرت للوجود بشكل رسمي بعد المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897 في مدينة بازل السويسرية، والصهيونية هي عبارة عن زج اليهودية في السياسة، فكل الذين عملوا في السياسة من يهودهم في الواقع صهاينة، دون التعرض للاختلاف في الرأي من جراء الأسماء والمسميات، وزعماء الصهيونية هم الذين قالوا: إن الصهيونية هي العودة إلى اليهودية في روحها، والصهاينة هم اليهود العاملون في السياسة. وقد عمل اليهود في السياسة منذ أقدم العصور كما هو معروف.
ولم يخف الصهاينة القدامى والجدد، عداوتهم للوحدة العربية، تحت لواء الإسلام على عهد الرسالة، وحتى عصرنا الحاضر، وقد ذكر أنتوني ناثنك:"أن زعماء وزارة الخارجية الصهيونية قالوا له: إن حكومتهم ستلجأ إلى كل وسيلة ممكنة، من أجل إبقاء جيرانها العرب ممزقين" (1) لأن الصهاينة الجدد يعلمون حق العلم:"أن القضية الفلسطينية لن تحل حلًا نهائيًا لصالح العرب، إلا إذا اتحد العرب" (2) كما يقول المؤرخ البريطاني توينبي.
وتاريخ الحرب العربية الصهيونية منذ سنة 1948 حتى اليوم، تثبت أن الصهاينة قاتلوا جيوشًا عربية منفردة وليس جيشًا عربيًا واحدًا، وقاتلوا بقيادة صهيونية واحدة قيادات عربية شتى، وازدردوا الجيوش العربية على انفراد لقمة بعد لقمة، وما كان بمقدورهم ازدراد جيش عربي واحد لقمة واحدة، فلما هاجم الصهاينة لبنان ترك العرب لبنان يقاتل منفردًا، دون أن تمد له دولة عربية دعمًا ماديًا، بل كان موقف العرب اتجاه محنة لبنان موقف المتفرج، كأن أمر لبنان لا يهمهم من قريب ولا بعيد.
تعالج هذه الدارسة، لمحات من محاولات اليهود الصهاينة في إضعاف العراق قديمًا، وفي مصاولة الإسلام، ومقاومتهم للوحدة العربية بالتفتيت الطائفي والعرقي، في محاولة لتشخيص الداء، تمهيدًا لوصف الدواء، مذكرين (لعل الذكرى تنفع المؤمنين) .
وسنجد أن اليهود عوملوا بالحسنى من العرب قبل الإسلام، ومن العرب المسلمين بعد الإسلام، في مختلف أصقاع البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا، وفي مختلف العهود والأزمنة، ولكنهم قابلوا الحسنى بالغدر والعنف والقسوة، واستولوا على فلسطين وأجزاء أخرى من سوريا ولبنان، وجعلوا من أهلها لاجئين يطاردونهم بلا رحمة في لبنان وفي الأرض المحتلة، بأساليب مباشرة وغير مباشرة، وهكذا أثبت هؤلاء المعتدون أنهم عبيد مصالحهم وحدها، ولا علاقة لهم بالوفاء ولا بالمثل التي تميز الإنسان السوي من غيره من وحوش الغاب.
محاولة إضعاف العراق القديم