تعتبر الطائفة اليهودية في العراق، من أقدم الطوائف اليهودية في العالم، إذ يرجع معظمها إلى أولئك الذين اقتيدوا أسرى إلى بابل (3) على يد الملك الكلداني الشهير نبوخذ نصر عامي (597 ق.م و586 ق.م) ، وحافظوا على وجودهم في العراق على مر العصور، ولم يتعرضوا إلى نفي أو اضطهاد أو هجرة إلى الخارج (4) ، وهؤلاء اليهود هم الذين وقفوا ضد نبوخذ نصر وجيشه، فأسرهم نبوخذ نصر، ورافقتهم عوائلهم إلى العراق، فهم لا يشكلون إلا جزءًا من يهود فلسطين (5) ، وليس جميع يهود فلسطين كما يرى قسم من المحققين، لأن في هذا الادعاء مبالغة، إذ لا يمكن أسر جميع يهود المنطقة مرة واحدة، ومن المعقول أسر المقاتلين حسب، وغض الطرف عن غير المقاتلين (6) . إلا أن هذا لا يعني البتة أن جميع يهود العراق قد جاءوا قسرًا عن طريق الأسر البابلي الأول سنة 597 ق.م، والثاني سنة 586 ق.م، بل إن قسمًا لا يستهان به من الطائفة اليهودية في العراق القديم، جاءوا طوعًا في وقت مبكر إلى العراق، لاستغلال مواهبهم والمساهمة في العمل للدولتين البابلية والآشورية (7) والاستفادة من خيرات العراق الزراعية والتجارية، غير أن احتلال كورش الفارسي للعراق، وإسقاطه للدولة الكلدانية سنة 538 ق.م، كان بمثابة الإفراج لمن اعتبر نفسه أسيرًا من يهود فلسطين. وكان لتعاون اليهود مع كورش في غزو بابل من جهة، وتمهيدهم لتفتيت الجبهة الداخلية، بإشعال الفتن وتفريق الصفوف والتأثير في معنويات الكلدانيين،من جهة ثانية ما سهل على كورش التغلب على البابليين في ميدان القتال، كما استغل اليهود زوجة كورش اليهودية الجميلة لتحريضه على توسيع رقعة الدولة الفارسية على حساب العراق، فلما انتصر كورش سمح لليهود بالعودة إلى فلسطين لمن أراد منهم، وهكذا عادت القافلة الأولى من بابل إلى فلسطين، وتبعهم بعد ذلك جمع غفير (8) إلا أن العائدين لم يكونوا كل اليهود، إذ فضل قسم منهم العيش في العراق، بعد أن تيسر رغد العيش فيه. وبذا يمكن القول: بأن يهود العراق يتألفون من: أسرى، ومهاجرين طواعية، ثم أخذ عددهم يزداد حتى بعد العودة على عهد كورش، مع مرور الزمن، ومما ساعد على ازدياد عددهم، ما كانوا يتعرضون له من اضطهاد في فلسطين على يد أباطرة الرومان، فكانت بيئة العراق بمثابة متنفس لهم، يغدون إليها من وقت إلى آخر فرارًا من ظلم الرومان، وهكذا تكونت جاليتهم وأصبح لهم كيان في العراق (9) .
وقد لقي يهود العراق، في العراق القديم، كل رعاية واهتمام، فقد أسكن نبوخذ نصر أسراهم في بابل، وكان بإمكانه إسكانهم في الصحراء، ولكنه حباهم برعايته الكاملة، ولم يتعرضوا في العراق للنفي أو الاضطهاد كما تعرض غيرهم في البلاد الأخرى، وكان إيثار أكثر بقايا الأسرى منهم البقاء في العراق وعدم النزوح منه بعد سقوط بابل، دليلًا قاطعًا على أنهم كانوا في رعاية وعناية كاملتين في هذا البلد الآمن المطمئن، وحتى الذين عادوا إلى فلسطين هاجروا من جديد إلى العراق لأنهم افتقدوا بعد عودتهم عدل العراق، وتحملوا ظلم الرومان، فآثروا العدل على الظلم. ولكن كان جزاء العراق وأهله من الذين أحسنوا إليهم وأطعموهم من جوع وآمنوهم من خوف، جزاء سنمار، إذ فرقوا صفوف العراقيين، وشتتوا كلمتهم، وأنشبوا بينهم الحقد والبغضاء وفتتوا سكان العراق وجعلوا منهم طوائف وفرقًا، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، وزعزعوا معنوياتهم، وحرضوا عدوهم على غزوهم، وعاونوا الغازي ماديًا ومعنويًا، حتى تحققت له الغلبة، فكانوا عملاءه علنًا بسقوط بابل، بعد أن كانوا عملاءه سرًا قبل سقوطها.
وهكذا كان دأب اليهود الصهاينة القدامى، منذ خمسة وعشرين قرنًا خلت: تفتيت البلد الذي يعيشون فيه إلى طوائف وعروق، ويعاونون أعداءه عليه ويتعاونون عليه، ويحرضون الغزاة على استعبادهم لعله يستفيدون مما جنت أيديهم ما يشبع رغبتهم الأزلية إلى التخريب والدماء.
مصاولة الإسلام والمسلمين في عهد الرسالة
1 -اختلف المؤرخون في الوقت الذي هاجر فيه اليهود إلى جزيرة العرب، ويرى المحققون أن هجرتهم إليها كانت في القرن الأول الميلادي سنة (70م) بعد تنكيل الرومان بهم، ويؤيد هذا الرأي طائفة من مؤرخي اليهود والأجانب، كما تؤيده المصادر العربية. وكانت هجرتهم لأسباب اقتصادية، فنزلوا على طريق مكة - الشام التجارية.