فهرس الكتاب

الصفحة 27169 من 27345

يا أصحابَ الهُمومِ توكَّلوا على الحيِّ القيوم

د. محمد عمر دولة*

قالَ التهامي رحمه الله يُصوِّر حالَ الدنيا المُتقلِّبة بأهلِها:

وصدقَ رحمه الله؛ فما مِن عبدٍ إلا تمرُّ عليه في حياتِه مَصاعِبُ وتنالُ منه فِتَنٌ ومَصائبُ، لا يُستثنَى من ذلك أحدٌ مِن العالمين مهما كان حاله، وعظمتْ أموالُه، وعزَّ سلطانُه، وكثرتْ عِيالُه.

وقد قرَّرَ القرآنُ هذه الحقيقةَ فقال الله جلَّ جلالُه: (ولَنَبْلُونَّكم بشيءٍ مِن الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ وبَشِّر الصابرين الذين إذا أصابَتْهم مُصيبةٌ قالوا إنَّا للهِ وإنا إليه راجعون) [1] وقال تبارك وتعالى: (الم أحسب الناسُ أن يُترَكوا أن يقولوا آمنَّا وهم لا يُفتَنون ولقد فتنَّا الذين مِن قبلِهم فَلَيعلَمَنَّ اللهُ الذين صدقوا وليعلمنَّ الكاذبين) . [2]

وصلَّى اللهُ على نبيِّ الله يعقوب؛ فإنه ما لاذ بأحدٍ حينما أصابَتْهُ النوائبُ وتوالت عليه المصائبُ إلا الله عز وجل! فقد ذكر المفسِّرون هذا المعنى عند الكلام عن حال يعقوب عليه السلام حينما غاب عنه ولداه بعد فقدانِ يوسف عليه السلام (وتولَّى عنهم وقال يا أسفا على يوسف وابيضّتْ عيناه من الحزن فهو كظيم) [3] قال ابن كثير رحمه الله:"أي أعرَضَ عن بَنِيه؛ وقال مُتذكِّراً حُزنَ يوسف القديم الأوّل: (يا أسفا على يوسف) ؛ جَدَّدَ له حُزنُ الابْنَيْنِ الحُزنَ الدّفين"! [4] وقال السعديّ رحمه الله:"أي ظهر منه ما كَمَنَ مِن الهمِّ القديمِ والشوقِ المُقيم"! [5]

فقد أناب يعقوب عليه السلام إلى مولاه، ولم يَشْكُ حالَه إلى سِواه، بَلْ تَوكَّلَ على الله؛ وهذا يُبيِّنُ المعانيَ التربوية للتوكُّلِ والإنابةِ والرَّجاءِ وصدقِ الالتجاء؛ كما قال صاحبُ الظلال في تفسير قولِ يعقوب عليه السلام: (إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) [6] :"في هذه الكلمات يتجلّى الشعور بالألُوهيّة في هذا القلبِ الموصول؛ كما تتجلّى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر ولألائها الباهر... وهذه قيمةُ الإيمانِ باللهِ ومعرفتِه سبحانه هذا اللونَ من المعرفة: معرفة التجلّي والشهود، ومُلابسة قُدرتِه وقَدَرِه، ومُلامسة رحمتِه ورِعايتِه، وإدراك شأن الألوهيّة مع العبيد الصالحين؛ إنّ هذه الكلمات (وأعلم من الله ما لا تعلمون) تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها وتعرض مذاقاً يعرفه من ذاق مثله؛ فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب"! [7]

ولكننا في صراعِنا اليومي مع الحياةِ قد نغفلُ عن هذه المعاني؛ فنتعلَّق مِن حيث لا ندري بالعبادِ ونَجري لاهِثين وراءَ الأسباب؛ وننسى مُسبِّبَ الأسبابِ وربَّ العباد الذي عنده خزائنُ السماوات والأرض، يده سحَّاء الليل والنهار، الذي تفيض رحمته على عباده ولا تغيض.

ولكنْ سرعان ما تُسَدُّ الأبوابُ التي نَلِجُها مُتوكِّلين على مُجرَّدِ الأسباب، وندخلُها مُعلِّقين رَجاءَنا بالعبادِ؛ فيخيب الرجاءُ إلا في الله وتنقطعُ السُّبُلُ إلا إلى الله؛ (أمَّنْ يُجيب المضطرَّ إذا دعاه) . فيعود إلينا اليقينُ الجازمُ ـ وليس الخبرُ كالمعاينة ـ بأنه لا ناصرَ إلا الله (وما النصرُ إلا من عند الله العزيز الحكيم) ، فهو القادرُ على قضاء الحوائج وتيسير الأسباب، (ذلكم اللهُ ربُّكم له المُلكُ والذين يدعون من دونِه ما يملكون من قِطمير) . [8]

فالمُعِينُ والراحمُ على الحقيقةِ هو الله؛ فهو أرحمُ بالعبد من أمِّه وأبيه، كما قال صلى الله عليه وسلم حين أخذتْ تلك المرأةُ من السبيِ صبيّاً فألزقتْه ببطنِها فأرضعتْه: (لَلَّهُ أرحمُ بعبادِه مِن هذه بولدِها) ! [9] وهو العزيز الحكيم السميع العليم، كما قال الله عزَّ وجلَّ في معرضِ الأمرِ بالتوكُّلِ عليه وحدَه: (وتوكَّلْ على العزيزِ الرحيمِ الذي يراك حين تقومُ وتقلُّبَه في الساجِدين إنه هو السميعُ العليم) . [10] فـ"التوكل هو اعتمادُ القلبِ على الله تعالى في جلبِ المنافع ودفعِ المضارِّ مع ثقتِه به، وحسنِ ظنِّه بحصولِ مطلوبِه؛ فإنه عزيزٌ رحيم، بعزَّتِه يقدر على إيصالِ الخيرِ ودفعِ الشر عن عبدِه، وبرحمتِه به يفعل ذلك". [11]

فالمتوكلُ على اللهِ وحدَه يستحضرُ على الدوامِ أنَّه لا يفتح أبوابَ الرحمةِ إلا الله، فهو وحده تبارك وتعالى الذي يَضرُّ وينفعُ، ولا ينالُ العبدُ نعمةً ورزقاً إلا من عند الله، كما قال عز وجل: (ما يفتح الله للناسِ من رحمةٍ فلا ممسكَ لها وما يُمسِكْ فلا مُرسِلَ له مِن بعدِه وهو العزيز الحكيم يا أيها الناسُ اذكروا نعمةَ الله عليكم هل مِن خالقٍ غير الله يرزقكم مِن السماءِ والأرضِ لا إله إلا هو فأنَّى تُؤفَكون) . [12]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت