19 ذي الحجة 1396 / 30 كانون الأول 1976
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . أما بعد:
نُقل بالطريق الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا هبت ريح أو نشأت سحابة في السماء تلوّن وجهه الشريف وأكثر الدخول والخروج وفزع إلى الصلاة والدعاء فإذا قيل له في ذلك ، قال: ( ما يدريني لعله يكون عذابًا ، فإن قومًا قد أهلكهم الله تعالى بالريح ، وإن قومًا رأوا ناشئة السحاب فقالوا هذا عارض ممطرنا فأخذهم الله بالبلاء من ذلك السحاب ) . وإن هذا الحس العميق بين الرسول صلى الله علي وسلم وما يجري في الكون يكشف عن مدى هذا الإيمان العظيم الذي كان يعمر قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويرينا إلى أي حد كان عليه الصلاة والسلام يعرف أن هذا الكون كله بين يدي الله تبارك وتعالى ، وأنه يحكم ما يريد ، لا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ولقد كان الله سبحانه وتعالى حينما كان يمتن على العرب الذين جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم برسالة الله جل وعلا يذكرهم بنعمة الأمن ، الأمن من الخوف الذي كان يلف الناس في أرجاء الأرض جميعًا ، والذي أعاذهم منه تبارك وتعالى وكان يقول لهم ( أولم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا ويتخطف الناس من حولهم ) وما من أحد من الناس في هذه الأيام يجهل أن كوارث الطبيعة تفتك بالناس فتكًا ذريعًا وتلتهم منهم المئات والألوف ، ومن كان أغلف القلب مصمت الجنان فلن يرى في ذلك أكثر من حوادث طبيعية تجري وفاقًا لأسبابها المعروفة . ولكن الطبيعة وأحداثها والكون وما يجري فيه آية من آيات الله لهذا الإنسان ، يلفته به إلى وجوده وعظمته وقهره واقتداره ، وفي كل يوم تقريبًا تسجل المراصد على الأرض انفجارات هنا وهناك تكون من نتائجها عشرات الألوف ابتلعتهم الأرض التي تشققت ، وأضعاف هذا العدد ممن شردوا من غير مأوى وتركوا للرياح والأمطار والثلوج ، ولو أنهم ذهبوا فيمن ذهب لكان أهنأ لهم بالًا ولكنهم تركوا للشقاء الطويل .
والذي لا بد أن يلفت النظر في هذا أن هذه الأشياء والظواهر مما يخوف الله بها عباده ، فالذين اتقوا يفزعون إلى ذكر الله ويرون يد البطش الإلهي قريبة جدًا من الناس ، والذين لا إيمان عندهم يفيئون إلى تفسيرات لا تغني عن الكارثة حين تقع لا قليلًا ولا كثيرًا ، فاتقوا الله أيها الناس واعلموا أن الله في بعض الأحيان يأخذ الناس على تخوف ، وفي بعضها الآخر يأخذهم بغتة فإذا هم مبلسون ، فاتقوا الله واسألوه أن يجيركم من العذاب وأن يجنبكم مما يحل بالأمم من حولكم .
ونحن الآن في صدد سورتين ، وأحببت أن أجمل الكلام على السورتين وهما سورة ( الضحى ) وهي الحادية عشرة وسورة ( الشرح ) وهي الثانية عشرة ، أحببت أن أجمل الحديث عنهما دفعة واحدة لاتحاد الغرض في السورتين ، ولأن بعض قدماء العلماء وقرائهم كان يعتبرهما سورة واحدة ، فإذا قرأهما في الصلاة قرأهما في ركعة دون فصل ، وإذا قرأهما لم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم التي هي علامة الفصل بين السور ، فهم يرون أنهما سورة واحدة لتساوق الغرض فيهما جميعًا .
يقول الله تعالى ( والضحى ، والليل إذا سجى ، ما ودعك ربك وما قلى ، وللآخرة خير لك من الأولى ، ولسوف يعطيك ربك فترضى ، ألم يجدك يتيمًا فآوى ، ووجدك ضالًا فهدى ، ووجدك عائلًا فأغنى ، فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر ، وأما بنعمة ربك فحدث ) وتبدأ سورة الشرح ( ألم نشرح لك صدرك ، ووضعنا عنك وزرك ، الذي أنقض ظهرك ، ورفعنا لك ذكرك ، فإن مع العسر يسرًا ، إن مع العسر يسرًا ، فإذا فرغت فانصب ، وإلى ربك فارغب ) ولا يخطئ القارئ أن يلحظ هذا التشابه في الغرض في السورتين جميعًا ، وليس مما يدعو إلى التنبيه أن نقول إن الخطاب في السورتين كلتيهما موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكاد المفسرون القدامى يتفقون إلا في النادر على أن السورتين سيقتا لتعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليته عما ألحقه المشركون به من صنوف الأذى وأنواع المضرة ، مع أغراض أخرى سنأتي عليها . لكن نحب أن نلفت النظر إلى أمر أساسي ، إن السورتين جاءتا بعد مرحلة لا بأس بها طويلة بعض الشيء ، وجاءتا ليس فقط للتعزية ، فالقرآن دون شك ليس خطابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه خطاب للناس عامة إلى آخر الزمان ، فأغراضه وقضاياه تخاطب الناس جميعًا ولا يصح قصر شيء منها إلا ما جاء النص قاطعًا بقصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا من جهة .