فهرس الكتاب

الصفحة 13570 من 27345

ومن جهة أخرى فنحن بالموازنة بين الحالة الجديدة التي يستقبلها المسلمون والمرحلة التي مرت قبل نزول السورتين نجد أننا قادرون على أن نسمح لأنفسنا بوقفة من لون خاص ، نعيد النظر في الآيات ( والضحى ، والليل إذا سجى ) هذا قسم شأنه شأن الأقسام التي مرت والكلام عليه كالكلام على الأقسام التي مرت ، وأما قوله تعالى ( ما ودعك ربك وما قلى ) فالتوديع والودع في كلام العرب هو الترك ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو لأفعلن بهم كذا وكذا . يريد لينتهين أقوام عن تركهم الجمعات أو لأفعلن بهم كذا وكذا ، فالودع هو الترك ، والقلى هو البغض والهجر ، تقول: قليت فلانًا إذا هجرته ، فالله عز وجل يقسم ويجعل جواب القسم أنه ما ترك محمدًا صلى الله عليه وسلم ولا هجره ولا أبغضه . وبالرجوع إلى الروايات الواردة في التفسير بالمأثور نجد أن الروايات تتكاثر لا ندري إلى أي حد هي صحيحة لكن تظاهرها يسمح لنا بأن نطمئن إلى ورود شيء منها ، يقال إن امرأة حين فتر الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما أرى شيطانك إلا أنه هجرك ، ويقال إن من المشركين عيّروا محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن ربه قلاه وتركه فنزلت هذه الآيات ترد على هؤلاء الناس ، والذي يلفت النظر إلى أن حديث البخاري الذي يفيد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم تلقى الوحي أولًا في غار حراء بفواتح سورة العلق ثم فتر عنه الوحي بعد ذلك ، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن نفسه بأنه حزن لتأخر الوحي عليه وأنه حاول مرارًا أن يلقي بنفسه من على الجبل ، وأنه كلما همّ بأن يفعل ذلك تبدى له جبريل عليه السلام يقول له: يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ، فيثبت عليه الصلاة والسلام .

فمسألة انقطاع الوحي أو الفترة التي تحدث عنها حديث البخاري مسألة مبكرة أكثر من هذه الآيات ، وفي ظني أن الآيات تعالج أمرًا جوهريًا تكشف عن طبيعة العلاقة بين الوحي وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، بين الإنسان وبين هداية السماء ، لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء كان يعاين تجربة فريدة من نوع خاص لم يسبق أن جربها من قبل ولم يسبق أن جربها أحد من خلق الله تعالى إلا هذه الصفوة المختارة من الله التي هي الأنبياء . والعرب قوم محمد صلى الله عليه وسلم لا يعرفون شيئًا عن طبيعة الوحي ، والنبي صلى الله عليه وسلم ليس بعيدًا أن تنازعه نفسه بالشوق أن يطيل العيش مع هذا النداء السماوي الذي سمعه في غار حراء ، إلا أن الوحي دليل ومرشد وليس قائدًا يأخذ بيد الإنسان في كل الأحوال . والعرب خليقة بأن تفهم من طبيعة الوحي بأنه قيادة مطلقة وأنه إلغاء لإرادة الإنسان ، والنبي صلى الله عليه وسلم لو وقع في ذهنه هذا الشيء لكان معذورًا فهو لا يعرف عن وظيفة الوحي شيئًا قبل هذا ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء ) .

فالنبي عليه الصلاة والسلام والعرب أيضًا تصوروا أن كل حركة وكل سكون يجب أن يكون فيه وحي ، وهذا هو الشيء الذي جاءت الآيات لتضعه في نصابه ، الوحي ليس علاجًا لحالة موقوتة في زمن موقوت في محل محدود ، ولكنه نداء مطلق وهداية مطلقة إلى الناس في كل زمان وفي كل مكان ، والوحي ليس من طبيعته أن يلغي إرادة الإنسان ولا أن يشطب على شخصية الإنسان وإلا لسقطت المحنة وذهب معنى الابتلاء ، وإنما معنى الوحي جملة من القواعد والإرشادات التي يتخذها الإنسان أساسًا له في حياته وفي تصرفاته ينطلق منها معملًا إرادته محييًا شخصيته . فالعرب إذًا معذورون حين تصوروا أن الوحي لكي يكون وحيًا يجب أن يلازم النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه تصوروا قياسًا على الكهانة أن الكاهن لا يستطيع أن يتكهن إلا جاءه شيطانه فأدلى إليه بالمراد ، ولكن الرسالة غير الكهانة ، والنبي صلى الله عليه وسلم مكانه في قومه ، مكانه من الأمة ، ليس مكانه مكان الآلة التي يوعز إليها لكي تنفذ ولكنه مكان الإنسان الذي شحن بالوحي وأدرك مرادات الله جلا وعلا فقاد الناس بمبادرات خاصة من قبله وبإشارات من الله جلا وعلا دون أن يؤثر ذلك بتاتًا على قيمة الشخصية الإنسانية ولا على إرادتها ، فهذا الكلام لا شك أنه جاء في غالب الظن ردًا على كلام قاله هؤلاء الناس عن فترة الوحي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت