لكني أسأل: هل من شرط هذا الكلام أن يكون بعد انقطاع الوحي من الفترة الأولى ، أتصور أن هذا غير ميسور ، فالوحي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى ثم انقطع ، بعضهم يقول إنها نصف شهر وبعضهم يرقى بها إلى عدة أشهر ، ثم حمي الوحي وتتابع كما جاء في الحديث الشريف ، ولكنه مع أنه تتابع كان ينقطع بين الحين والحين ، وحينما انقطع في المرة الأولى لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قد ظهر أمره للناس ، آمنت به زوجه خديجة وصديقه أبو بكر وابن عمه علي رضي الله عنهم جميعًا مع نفر قلائل دون أن يلفت نظر أحد . لكنه بعد ذلك جرت فترات من انقطاع الوحي قيل ما قيل فقال الله هذا الكلام ليضع الوحي في إطاره الصحيح وليضع النبوة في مكانها الحق في حياة الناس .
( ما ودعك ربك وما قلى ، وللآخرة خير لك من الأولى ، ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فيما قرأت كل المفسرين القدماء قلما يشذ أحد عنه ، حينما يواجهون قول الله تعالى خطابًا لحمد عليه الصلاة والسلام ( وللآخرة خير لك من الأولى ) يشيرون بهذا إلى ما أعد الله لك يا محمد من النعمة والكرامة في الدار الآخرة خير لك من الأولى التي هي هذه الدنيا ، ولكن نفرًا من كرام المفسرين وهم قليل يشيرون إلى معنى متساوق مع خطوات الدعوة ، يقولون بأن المراد ـ والله أعلم ـ أن مستقبل أمرك خيرٌ مما مضى من أمرك ، لا على معنى أن ما جاءك من الوحي فاستقبلت به أيامك الجديدة خير لك من أيامك التي قضيتها في الجاهلية ، لا ، فهذا شيء لا يحتاج إلى نص ولا يحتاج إلى كلام ، ولكن على معنى أن أمرك ما يزال ينمو ويتقدم نحو الأحسن حتى تكون مقبلات أيامك خيرًا مما مضى مع ملاحظة استحالة الفصل بين شخص النبي صلى الله عليه وسلم وحاله وبين حال الأمة برمتها ، وفي تقديري أن هذا معنى حسن وهو يتساوق مع خطوات الدعوة ، ولو أننا ألقينا البصر إلى آخر السورة فسمعنا الله يقول ( ألم يجدك يتيمًا فآوى ، ووجدك ضالًا فهدى ، ووجدك عائلًا فأغنى ) لرأينا هذا الكلام يشد المعنى الذي ذهب إليه المفسرون المحدثون . قلنا قبل اليوم إن للقرآن وللإسلام طريقة يتميزان بها عن أية دعوة أرضية ظهرت على وجه الأرض ، في الحالة العادية قد تتوفر فرص ومناسبات يتوهم الإنسان أنه يستطيع أن يحقق بها مكسبًا ما للقضية التي يحملها ، وقلما يتمالك الإنسان نفسه تجاه إغراء من هذا النوع ، لعل الانتهازية والوصولية في الأحزاب الدنيوية مبنية على هذا إلا الإسلام ، فالإسلام لا يرضى أن ينتهز الفرص وإنما يأخذ بالبناء لبنة بعد لبنة ، قد تكون هناك فرص تعرض ولكن الإسلام يضرب عنها صفحة ولا يلتفت إليها ولا يكترث بها ، لو فعل ذلك لسقط في سياسة حرق المراحل التي يكون فيها الكسب الخارجي على حساب التنمية الداخلية وعلى حساب البناء الداخلي ، من أجل هذا رأينا الإسلام منذ البداية لم يعرف التقهقر ولم يعرف التراجع ، رأيناه في تقدم مستمر ونمو متصل ورأينا المسلمين يزدادون باستمرار ، وحينما نعود إلى نصوص الحديث نستمع إلى نص معين من الحوار الذي قام بين أبي سفيان وبين هرقل ملك الروم على أثر صلح الحديبية ، فإن هرقل في جملة الأسئلة عن الرسول وعن الرسالة وعن الأتباع سأله: أيزيدون أم ينقصون ؟ قال: بل يزيدون .
فالإسلام ما عرف التراجع ولا عرف التقهقر إلى الوراء ولم يعرف إلا التقدم وإلا اتساع الرقعة ، لماذا ؟ الأمر كله يعود إلى هذه القضية أي أن البناء يجب أن يبدأ من الأساس وإنه لا يجوز أن توضع اللبنة الثالثة قبل أن توضع اللبنة الثانية ، وإن الذي يتورط في عمل هذا الخرق وقلة العقل يغامر بالبناء كله ، فطريقة الإسلام بهذا الشكل مهما يَلُحْ في الأفق من المغريات ومن الفرص قد يعض عليها البعض بنان الندم لأنها فاتت ، فالإسلام لا يكترث بهذا ولا يلقي إليه بالًا ، قد خاض معركته الأساسية في داخل الذات ، ومنذ أوائل الدعوة ربط الإسلام ربطًا وثيقًا محكمًا بين الإنسان وبين السماء حتى تتحرر حركته بوحي السماء ، وحتى يكون المسلم مرتبطًا دائمًا بالله تبارك وتعالى ، ففي سورة المزمل يطلب الله جلا وعلا من نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوم نصف الليل أو ثلثه أو ثلثيه تدريبًا له على تحمل الصعوبات والمشاق في ذات الله جلا وعلا وصرفًا له عن المغريات التي يصادفها المرء في الحياة ، منذ ذلك التاريخ والإسلام يقود الأمة خطوة وراء خطوة .