فهرس الكتاب

الصفحة 25041 من 27345

الخير في الأمة الإسلامية باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمهما ضعفت الأمة، ومهما تأخرت عن مكانها اللائق بها باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، ومهما عظمت المؤامرة عليها وتنوعت أدواتها، إلا أنها تبقى أمة خصبة، تنبت الرجال والعلماء العظماء، يكونون فيها كالمصابيح في الدجى، وتظل مواقفهم مواقف عزة وفخر لهم وللأمة الإسلامية كلها. وما جرى مع أحد أمراء عسير وبعض علمائها، في أشد مراحل ضعف الدولة، قبل سقوطها، دليل صدق على ما نقول.

1-أمير عسير (حسن بن علي آل عائض) وبعض علمائها

أثناء سعي بريطانيا وغيرها من دول الكفر لهدم الخلافة، وتمزيق أواصر الأمة، أرسلت هذه الدول المئات بل الآلاف من الجواسيس متسترين بشتى أنواع الحيل وأساليب الخداع، ومن هذه الأساليب الاتصال بالوجهاء من علماء أو مفكرين أو شيوخ قبائل، وإغرائهم بكل سبل الإغراء الدنيوية الممكنة لتحريضهم على الخلافة الإسلامية وتشجيعهم على شق عصا الطاعة، والخروج على الدولة.

فقد أرسلت بريطانيا مطلع عام 1330هـ وفدًا مؤلفًا من ثلاثة من ضباط المخابرات البريطانية، برئاسة ضابط يدعى (هارولد يعقوب) إلى إمارة عسير، وهذه الإمارة بقيت على ولائها للخلافة الإسلامية، وكان أمراؤها وعلماؤها على قدر كبير من الوعي على أطماع الدول النصرانية. التقى الوفد البريطاني بأمير عسير (حسن بن علي آل عائض) وأطلعوه على مهمتهم، وكانت تتلخص في الطلب منه الوقوف إلى جانب بريطانيا لإجلاء العثمانيين عن عسير، ووعدوه بمساعدته ماديًا وعسكريًا، وتكفلوا له إبقاء أسرته آل عائض، حكامًا على عسير جيلًا بعد جيل، وأن تكون لهم سفارة تمثلهم في كل ما يجري لمصلحة الطرفين، وأبدوا استعدادهم لإنذار الباب العالي بإخلاء عسير، وتسليمها لأسرته آل عائض. ومنع ابن سعود وإمام اليمن يحيى حميد الدين، وشريف مكة حسين بن علي، والإدريسيين، وتكون موانئ عسير مراكز تجارية مهمة، كما تتعهد له بريطانيا بتقديم مساعدة سنوية له ولأسرته، كما تفعل مع أصدقائها السابق ذكرهم.

عندما أدرك أمير عسير مهمة الوفد البريطاني، استدعى أربعة من علماء عسير الأجلاء هم الجهري، والزميلي، وابن جعيلان، والحفظي، وطلب منهم وضع كتاب موجه لحكومة بريطانيا ردًا على عرضها المذكور، يقول مؤرخ هذه الفترة من تاريخ عسير، كنت أجلس مع الوفد البريطاني، ولا يعرف أعضاؤه أني أجيد لغتهم، فكانوا يتساءلون فيما بينهم، هل في هذا العرب الأذلاء رجولة أسلافهم؟؟ ومن لا يزال يعتز بماضي أجدادهم؟؟ ترى ماذا سيحمِّلنا هذا البدوي إلى أمتنا العظيمة؟؟

اتفق العلماء الأربعة على نص الكتاب الموجه إلى حكومة بريطانيا ثم عرضوه على أمير عسير حسن بن علي آل عائض، فأقره ووقعه وهذا نصه:

«... من حسن بن علي آل عائض وعلماء عسير، إلى عظماء وقادة بريطانيا، السلام على من اتبع الهدى... وبعد،

إن وفدكم قد عرض علينا الدنيا، وإنا نعرض عليكم الدنيا والآخرة، فإنا ندعوكم بدعوة الإسلام، أسلموا تسلموا من عذاب الله، وارفعوا الظلم عن عباد الله يرفعه الله عنكم، ولا يتخذ بعضكم بعضًا أربابًا من دون الله يؤتكم الله أجركم مرتين، ويمددكم بأموال أكثر مما تأملون من استعماركم، فإنكم إن رجعتم إلى عقولكم، علمتم أن ما أنزله الله تعالى على رسوله موسى وعيسى هو ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الحق من ربكم، وقد ختم الله به الرسالات، وإن عدتم إلى رشدكم عرفتم أن هذا ما شهدت به كتبكم. وإن أبيتم إلا الهوى والضلالة، فعليكم ما على أهله، ولا رابط بيننا وبينكم، ولتذهب وفودكم إلى أمثالكم».

ولما سُلِّم الكتاب إلى هارولد يعقوب قرأه على زميليه أعضاء الوفد وملامح الذهول تعلو وجهه، فلما انتهى منه علق أحدهم قائلًا: لو كان قادة العرب اليوم مثل هذا لما ظفرت بريطانيا بل ودول أوروبا كلها بقطعة أرض من بلادهم.

2-فتوى شيخ الهند مولانا محمود حسن

شيخ الهند مولانا محمود حسن، سجن على يد البريطانيين في مالطة لمدة 3 سنوات لأنه التزم بالحق ورفض التنكر للخلافة العثمانية. فقد قام الخائن الشريف حسين باعتقال شيخ الهند وتلميذه مولانا حسين أحمد مدني (والذي عرف فيما بعد باسم شيخ الإسلام) في الحجاز (مكة) في 23 صفر 1335 هجري. وأرسلا إلى مالطة عن طريق القاهرة على متن سفينة في 29 ربيع الثاني 1335 هـ الموافق 21 فبراير/شباط 1917 وقمعا في السجن على يد البريطانيين لمدة 3 سنوات وأربعة أشهر. وأفرج عنهما فيما بعد ووصلا إلى بومباي في 8 يونيو/حزيران 1920. وصادفت فترة عودتهم من مالطة مع فترة انبعاث حركة الخلافة في الهند.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت