ثم أشاد بدين الإسلام الذي هداهم الله إليه , فأثنى أولًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عن طريقه كانت هذه الهداية , حيث ذكر أنه منهم يعرفون نسبه ونشأته فليس غريبًا عنهم , ووصفه بالصدق والأمانة والعفاف , وهذه من أصول مكارم الأخلاق التي تقاد بها الأمم والشعوب إلى الخير والرشاد .
ثم ذكر موجزًا لدعوته استفتحه بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك .
وإنه لفرق هائل بين من يدعوك لعبادة مدبر الكون وخالق الأرض والسماوات الذي يملك إماتة الناس وإحياءهم ورزقهم .. ومن يدعوك إلى من هو دونه ولايمكن أن يوضع معه في مفاضلة, حيث يدعوك إلى عبادة أصنام من الشجر والحجر لاتسمع ولاتبصر ولاتضر ولاتنفع .
ثم ذكر مادعا إليه من مكارم الأخلاق التي تقوم عليها الحياة الكريمة , وتنتظم بها أمور الأمة من صدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار .
ثم أشار إلى مادعا إليه من الكف عن مساويء الأخلاق التي تعوق قيام المجتمع الصالح وتفرق بين أفراد الأمة وتغذي حياة الفوضى والاضطراب , فذكر الكف عن المحارم والدماء , واجتناب الفواحش , وقول الزور , وأكل مال اليتيم , وقذف المحصنات البريئات بالفاحشة .
ثم ذكر إيمانهم بهذا الدين الحنيف , وتطبيقهم ماجاء فيه من تكاليف , وماقام به قومهم من العدوان عليهم ليعيدوهم إلى الوثنية , وأن هذا هو الذي دفعهم إلى الهجرة , وأشاد بجوار النجاشي, وبين أن الذي حملهم على اختيار بلاده رجاؤهم التمتع بعدله المشهور .
وهكذا جاء بيان جعفر الذي قوض به أركان الجاهلية وكشف زيفها , ثم شرح مقاصد الإسلام العالية التي يؤمن بسموها كل ذي عقل سليم مجرد من اتباع الهوى المنحرف .
وكان هذا البيان الرائع مقدمة لتلاوة آيات من كتاب الله تعالى كان لها الأثر النهائي في حسم الموقف لصالح دعاة الحق , وهذا مابينته أم سلمة في روايتها حيث قالت:"فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قالت: فقال له جعفر: نعم , فقال له النجاشي: فاقرأه علي , قالت: فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) (مريم: 1 ) "
ولم يرد في الخبر تحديد نهاية الآيات التي قرأها ولكن يظهر من سياق القصة أنه قد أكمل آيات قصة مريم في خبر ولادتها بعيسى عليهما السلام وماجرى منه من خطاب قومه آنذاك, حيث كان إيراد القصة هو سبب بكاء النجاشي وأساقفته وذلك إلى قول الله تعالى: (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) (مريم: 23 )
ولقد كان جعفر رضي الله عنه حكيمًا حينما أعرض عن قراءة الآيات التي تلي هذه الآيات حيث إنها تشتمل على الرد على النصارى في ادعائهم أن عيسى ابن الله جل وعلا عن ذلك, لأنه كان في مقام الدعوة ولم يكن في مقام الجدل وبيان الحق في هذه القضية , هذا على فرض أن السورة قد نزلت كلها في ذلك الوقت .
ولكن ماتحاشاه جعفر قد كادهم به عمرو كما سيأتي .
"قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته , وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم , ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ( [7] ) , انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما ولايُكادون".
وهكذا كان اختيار جعفر بن أبي طالب موفقًا حيث اختار الآيات التي تتحدث عن مريم وابنها عيسى عليهما السلام أمام قوم يعظمونهما كثيرًا , وكان من آثار حسن الاختيار , إلى جانب حسن العرض وصدق النية أن تأثر ذلك الملك ووزراؤه فبكوا جميعًا .
وهذا الموقف من النجاشي يدلنا على مدى وضوح دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أمام أهل الكتاب, فلقد عرف أنه النبي الذي ذكر في كتبهم المقدسة , وأنه ينزل عليه جبريل عليه السلام الذي كان ينزل على موسى عليه السلام , مع أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعش معه , فكيف بأهل الكتاب الذين عاشوا معه في المدينة واطلعوا على معجزاته وصاحبوا التنزيل ؟!
وإنه لموقف رائع أن يبلغ التأثير على تلك الطبقة الراقية إلى حد البكاء , مما يدل على تفوق ظاهر عند المسلمين آنذاك في مجال الدعوة .
وهكذا يجب على الدعاة أن يغتنموا الفرص المناسبة , وأن يختاروا الموضوعات الملائمة مع ملاحظة صدق النية وحسن العرض .
(1 ) السيرة النبوية لابن كثير 2/67 .
(2 ) سيرة ابن هشام 1/330 .
(3 ) طبقات ابن سعد ذ/204 . (2) فتح الباري 7/188 .
(3) يعني الجلود .
(6 ) المستدرك 2/309 , وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه , وأقره الذهبي مجمع الزوائد , وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح - 6/30 -31 .
(7 ) أي من مصدر واحد , والمشكاة المكان الذي توضع فيه المصابيح .