د. خالد الحليبي 19/6/1426
شريحة الشباب في البلاد المسلمة تعيش مرحلة تحديات عنيفة في إطار التغيرات الساخنة والمتتابعة محليًا وإقليميًا ودوليًا. مما يتطلب مبادرات حيوية لتحديد مواقف صريحة من كل ما يجري أو يستجد؛ لتوجيه هذه الطاقات، بما يلائم بين ثوابتنا واحتياجات البناء الحضاري الجديد.
وسوف أقف خلال مقالتين أو ثلاث بين يدي عدد من التساؤلات والقضايا الشبابية المعاصرة أجملها في التالي:
1ـ الشباب والثوابت.. مفهومًا وتطبيقًا.
2ـ الشباب وإشكالية الانفتاح.
3ـ الشباب .. والخوف .. وبناء المستقبل.
4ـ الشباب.. والمسؤولية..!
5ـ الشباب والحوار.
1ـ الثوابت.. مفهومًا وتطبيقًا
إننا ـ أيها الشباب ـ في لحظات مريبة من عمر الزمن، جعلت بعض الأقلام تجترئ على ما لم تكن تجترئ عليه من قبل، وأرعبت أقلامًا أخرى فسكنت حتى جفّ حبرها، فقُبرت غير مأسوف عليها.
وبقيت أقلام واعية، تعيش تحت الشمس، ولا تقبل أن تتلفع بالغبار الذي يُهال عليها من سفيف الرياح الهائجة، بل تحمل من الإيمان بدينها ما يبهر الأبصار، ومن الحب لأمتها ووطنها الغالي ما يعمر قلوبها، ومن الإبداع والتجدّد ما يجعلها قادرة على صناعة النجاح أنى جرت، وفي أي زمن سعت، هذه الأقلام هي التي تعرف الثوابت كما هي دون تزيّد أو تميّع.
ويمكنتعريف الثوابت: بأنها تلك القضايا الكلية والتفصيلية التي جاءت بها شريعتنا السمحة، والتي تُبنى على ثلاث قواعد:
الأولى: أن لها المرجعية الكلية، فلا تحاكم لغيرها في أي شأن من شؤون الحياة، وأن نؤمن بأن لها كمالًا مطلقًا لا نقص معه، ولا شيء يشذّ عنه، ولا أمر يخرج من دائرت ، يقول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) ، (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء) ، قال ابن القيم:"أصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل .. وكل من له مسكة من عقل، يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على الشرع، وما استحكم الأمران- أي الرأي أو الهوى - في أمة إلا فسد أمرهم تمام الفساد. فلا إله إلا الله كم نُفي بهذه الآراء من حق، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هدى، وأُحيي بها من ضلالة".
وثانية ثوابتنا:الحرمة العظيمة لهذا الدين العظيم، ولكتاب الله الكريم، ولرسول الهدى -عليه الصلاة والسلام-، بل والحرمة العظيمة للمسلم المؤمن الذي يؤمن بالله، في دمه وماله وعرضه، بل حتى فيما هو أقل من ذلكأليس قد قال رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -:"لا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإن ذلك يُحزنه".
وثالثة ثوابتنا:المنزلة العظيمة لأمة الإسلام، وأنها لابد أن تكون الأعلى والأسمى، وألاّ تُعطي الدنية في دينها، وألا تخالف أمر ربها، وأن يكون ولاؤها وبراؤها مربوطين بدينها.
تلك ثوابت كلية، وليس المجال مجال تفصيل، وللثوابت أحكام وقداسة لا ينبغي تعريضها لأي تغيير، وإنما التغيير ينال ما يسع الخلاف فيه من تفصيلات فقهية يسوغ فيها اجتهاد الأئمة والعلماء، على أن يدلل كل مجتهد على ما يقول.
وربما يرد تساؤل: ما علاقة هذه الثوابت بالمتغيرات الراهنة؟
فأقول: إن ثوابتنا ينبغي أن تحكم كل التغيرات الراهنة، حتى يبقى لنا كياننا، وتتمحض لنا شخصيتنا، وينجو لنا تميزنا من محاولات التذويب التي تكتنفه من كل مكان، على أن هذا لا يعني عدم الانفتاح على العالم، والاستفادة من مستجدات العصر.
وسؤال آخر يفرزه الواقع: إلى أية أرضية يستند جيل الشباب في فهم حقيقة الثوابت؟ فالشباب في بلادنا تتوزعهم عدة أطروحات، فهناك من لا يحمل هم الثوابت ولا المتغيرات؛ إذ يعيش حالة من اللامبالاة المرضية (بفتح الميم والراء) ، وهناك من يستند ـ في فهمه للثوابت ـ إلى ظلاميين، ليست لهم مرجعية علمية، بل هي مرجعية تشددية، ذات منهج متطرف، رمت كل العلماء بتهم تتفاوت بين العمالة، إلى المداهنة إلى الجبن، إلى ضعف فهم الواقع، إلى الخوف على الرزق، حتى تقطع على هؤلاء الأتباع كل رؤية معتدلة، وكل خط مستقيم يوصلهم إلى العلماء العاملين الواعين، وهناك شباب عرفوا الحق من أهله، فالتفوا حول علماء الشريعة، يفهمون كتاب ربهم وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- من خلال الحوار معهم، دون أن يلغوا عقولهم، ولا يغلقوا أبواب الخصوصية في الفهم أمام وجوههم، وضعوا أيديهم في أيدي ولاة أمورهم، فما خرجوا عليهم بل حفظوا لهم حقوقهم، وساروا بتوجيهاتهم فيما يرضي الله تعالى، والجميع تحت حكم الله الواحد الأحد، أولئك هم مستقبل الوطن الواعد، وغد الأمة المنتظر.