مفكرة الإسلام: هل رأيت جنازة في حي شعبي؟ إن لم تكن رأيتها فاسمح لي أن أصفها لك فقد حضرت الكثير منها وهي مشهد فريد من نوعه له طعم ومذاق خاص عند تأمله، فالموت يختلف طعمه في دنيانا باختلاف طبقة المتوفى وتختلف مظاهره تبعًا لمستوى الثقافة والتدين في مجتمع المتوفى.
لماذا؟
عزيزي الشاب ليست هذه وصلة حديث الغرض منها بث الرعب في نفسك أو البحث عن مظاهر الضيق والنكد نحييها في حياتنا كلا بل هي رؤية موضوعية وتأملية لموقف لا أظن أن أحدًا لم يتعرض له ولو من بعيد أو من قريب بموت أحد معارفه أو أقاربه أو بوفاة صديق عزيز أو رفيق حبيب إنها وقفة معك أسعى من خلالها إلى أن أدفعك وأدفع نفسي من باب أولى إلى إطالة الفكر وزيادة التأمل في مشهد متكرر لنخرج معًا بما فيه من إشارات قبل أن نكون بداخله وحينها لن تكون لهذه الإشارات والعلامات فائدة تذكر.
نحن والموت:
إن موقف الموت موقف لا يحسن أغلبنا التعامل معه بالطريقة السليمة ربما لبعد ذكر الموت عنا أو لأننا لا نرى الموت إلا فجأة عند فقد أحد ما وحتى لو رأيناه قريبًا فنحن نبذل قصارى جهدنا في الابتعاد عنه، ربما لما يجلبه لنا من خوف أو حزن أو تيه، وربما لأسباب أخرى تختلف من واحد لآخر إلا أن ما أعرفه جيدًا، وأنا على يقين منه أننا دومًا في هذا الموقف ما تخذلنا قوانا ونلتزم الصمت ونترقب بأعيننا الكثير مما يفعله المحيطون بالجنازة وتعتمل الأسئلة والاستفسارات في أذهاننا وندور حولنا نبحث عمن يجيب إلا إن كنا بالطبع ممن يدعون العلم بالأمور كلها, ونرى أمامنا من المواقف ما نثبت أمامه متأملين ومستغربين وأحيانًا مندهشين بل وقد نصبح متعجبين من عجائب الأقدار وآيات رب العالمين والأسرار كيف أن هذا الذي أتى موعده قد كانت له قبل وفاته مباشرة أماني ورغبات ومواقف ومشاهد وغيرها من أسباب التعجب مثل أواخر الكلمات التي قالها والعبارات التي نطق بها, لذا فلا بد لنا من وقفة مع هذا المشهد نتأمل ونفهم ونستوعب ونشارك. وكان اختيار الجنازة في الحي الشعبي باعتباره يصلح كمشهد يستحق التأمل لأن تلك الأحياء ما زالت تحترم هيبة الموت وأنت لا بد ستلمح في سلوك أهل تلك الأحياء وتعاملهم مع الجنائز مدى فهمهم لمعنى الحياة والموت واحترامهم للأخير.
سير وهيبة:
إن أشد ما يلفت الانتباه في هذا النوع من الجنازات هو ما يحدث حال بدء موكب سيرها فإن أول ما يسترعي انتباهك ذلك الحرص من المعزين على السير على أقدامهم وراء الجنازة ولو كان موقع الدفن بعيدًا بعض الشيء, ثم القليل منهم من يؤدي واجب العزاء بعد الصلاة ويترك الجنازة فلا يتبعها إلى المقابر بل الأغلبية العظمى تنطلق في الموكب تابعة الجنازة حتى مثواها قبل الأخير 'فالأخير إما الجنة رزقنا الله إياها أو النار عافانا الله وإياكم منها'.
المشهد الأعجب الذي لفت انتباهي بشدة هو ما تراه لو صاحبت جنازتنا هذه عبر الشوارع والأزقة, إنك ترى إصبع السبابة في أيدي المارين كلهم ترتفع وهي تتشهد بشهادة التوحيد, يقوم الجالسون, وتختفي البسمات التي كانت تعلو الوجوه والضحكات التي كانت منذ قليل تملأ الأسماع, ويحل مكان هذا كله صمت وسكون, إنني أشعر كأن ما يسير معي كائن له هيبة عظيمة في قلوب كل من يراه أو يرى ظله, حتى أنني في كثير من الأحيان ما أتلفت حولي وخلفي أنظر, أبحث عمن ينظرون إليه لعلي ألمح ظله أحاول بذلك تعظيم قدر هذا المخلوق العظيم من مخلوقات الله تعالى في جنبات قلبي لعله يتعظ أو يحيا.
عندما سرت في الجنازة كنت حريصًا على المشي أمامها فقد جاءت سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم تخبرنا بأنه كان يسير أمام الجنازة وكذا كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وإن كان لا بأس بالمشي خلفها أما بالنسبة للركوب فيسير الراكب خلف الجنازة لا أمامها وفي هذا المشهد ما فيه من تعجيل السير وكأننا نتسابق بالمحمول على أكتافنا إلى مقره المؤقت نسرع في ذلك بل ونكاد نسبقه.
ودخلنا:
وخطت أقدامي خطوات عبر بوابات المدافن, إنني أنتقل من عالم حي متحرك مشاغب لا يتوقف عن التدافع والصراع إلى عالم يلفه في الظاهر قدر من السكون كبير, إنها لا تعدو أن تكون بضع خطوات ولكنها كانت كافية للانتقال بالمشاعر والوجدان إلى عالم مختلف تمامًا, الأماني غير الأماني, والغالي هناك رخيص هنا, إنهم هنا تحت الأرض اختلفت آراؤهم عن سابقتها لما كانوا فوق هذه الأرض نفسها, يا الله كم يتبدل حال الإنسان من حال لآخر, المتأمل من الخارج لا يكاد يشعر بشيء, أما أهل اليقين فهم وحدهم الذين يعلمون ما الذي يجري هناك بالأسفل فقد أخبرهم نبيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم تفصيل ذلك إنهم هناك بالأسفل أحياء يشعرون ويسمعون يودون لو يتكلمون لو ينبهون زوارهم لو ينصحونهم لو...لو...لو....ولكن هيهات.
منذ ثلاثين: