بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
بقلم الدكتور موسى البسيط عميد كلية الدعوة والعلوم الإسلامية - أم الفحم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين وبعد …
لم يكن الإسلام يومًا ليحجر على العقول فيقيد حريتها في التفكير أو يلجمها بلجام التقليد الأعمى وقد انعكس ذلك على الفقه الإسلامي بصورة جلية واضحة ، فوجدناه يمتاز عن سواه بالسعة والثراء .
كيف لا ! وللباحث حرية التفكير والبحث وفق الأسس العلمية التي سار عليها فقهاء الأمة ، من اتباع للدليل وفهم ثاقب سليم له حسب منهج السلف الصالح في تفسير النصوص وفهمها والتثبت منها ومراعاة أصول الفقه مع مجانبة الهوى والشهوة .
وكان تأثير ذلك أن تكونت المذاهب الفقهية مشكلة أطرًا ومدارس فاختلاف فقهائنا ولله الحمد دليل صحه ، وإمارة على الخصوبة الفكرية .
على أنه ظهر في عصور مختلفة من التاريخ الإسلامي من لا يسلك مسلك السلف من الفقه والتفقه من حيث اتباع الهوى حينًا وتقديم العقل على النقل حينًا آخر ومحاكمة النص محاكمة عقلية مجردة ، ومخالفة الطريق القويم المعهود في فهم المنقول حتى أفرز ذلك آراءً فقهية مستهجنة توصف بالشذوذ والنكارة .
فكان لهؤلاء - ولا شك - الأثر السيء في مسيرة الأمة ، من إحداث المعوقات وإثارة المشكلات وفتح الثغرات .
وإن هذا الكتاب ليتناول مسألة هامة من مسائل الفقه الاجتماعية ألا وهي حكم مصافحة المرأة الأجنبية .
ولقد عمت البلوى بها في أوساط المسلمين حتى ليخيل للناظر أن مصافحة الأجنبية مباحة وينكر على من يرى حرمتها .
وقد اتبع أخونا الدكتور حسام الدين عفانه طريقًا الأمثل في معالجة هذه القضية ودرس نصوصها وتوجيه أدلتها التوجيه اللائق بها حتى خرج بنتيجة مفادها تحريم مصافحة الأجنبية وهو الحق الذي يسنده النقل والعقل ومقصد الشريعة فأوقفنا على الصواب بعد استفراغ الجهد في بيان مواقف إتباع المذاهب الفقهية وعرض أدلتها ، وأدلة المخالفين ومناقشتها بما لا يدع مجالًا لشلك ولا للتخبط .
فجزى الله أخانا خير الجزاء ونفع الله بجهده وبارك فيه إنه سميع مجيب .
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار … وبعد
فقد سئلت كثيرًا عن حكم مصافحة المرأة الأجنبية خلال دروس في المسجد الأقصى المبارك وخلال محاضراتي العامة ، ولما كنت أجيب بما أعلمه في هذه المسألة وهو تحريم ذلك كان يقال أن طائفة من الناس يقولون بإباحة مصافحة المرأة الأجنبية ويستدلون بحديث أم عطية رضي الله عنها وفيه: ( فقبضت امرأة منا يدها ) وغيره ، فرغبت أن ابحث هذه المسألة بحثًا حديثيًا وفقهيًا موسعًا ، فجمعت ما وقفت عليه من الأحاديث الواردة في المسألة وذكرت أقوال جماعة كثيرة من أهل العلم قديمًا وحديثًا ممن وقفت على أقوالهم فتبين لي بعد البحث والتمحيص أن المسألة متفق عليها بين علماء الإسلام وأن حكمها التحريم وأن القول المخالف حديث العهد ولم يقل أحد بجواز المصافحة الأجنبية قبل الشيخ تقي الدين النبهاني فيما أعلم .
وقد ذكرت أدلة العلماء على التحريم وأتبعتها بذكر أهم الشبهات التي بني عليها القول الشاذ بالإباحة ورددت عليها وأبطلتها . وقد رجعت إلى المصادر الأصلية في التفسير والحديث وأصول الفقه والفقه وخرّجت الأحاديث التي ذكرتها ، ونقلت أقوال المحدثين في ذلك .
وفي الختام أسال الله العظيم أن يفقهنا في الدين وأن ينفعنا بما علمنا وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه سميع قريب مجيب ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
د. حسام الدين عفانه
أبوديس - القدس
الأربعاء 25 شوال 1414 هـ / وفق 6 نيسان 1994 م
المبحث الأول
تعريف المصافحة
المصافحة: هي الأخذ باليد ، أي وضع صفح الكف على صفح كف غيره .