بقلم د. عبد الله الحميري.
الحكمة كما قال العلماء: هي وضع الشيء في موضعه، وهي نعمة من نعم الله سبحانه من رُزقها فقد أوتي خيرًا كثيرًا كما قال تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) فلابد للعلماء والدعاة أن يتصفوا بالحكمة ويتعلموها لإيصال العلم والحق والإسلام إلى من يخاطبونه.
ومتى عدمت الحكمة فات المقصود وحصل الخلل وكثر الجدل والمراء، وأعظم الحكمة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى: أن ينزل المدعو المنزلة اللائقة به، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أنزلوا الناس منازلهم ) حديث حسن المتن رواه جماعة من الصحابة بأسانيد لا تخلوا من مقال، لكن بجموعها يرتفع الحديث، ومن هنا فإن الداعية إلى الله سبحانه وتعالى والعالم المعلم للناس الخير عليه أن يدرك من خلال قواعد الشرع تقسيم المدعوين إلى ثلاث أقسام يجب معرفتها:
القسم الأول: جاهل بالحكم غير مدرك ولا معاند وهذا القسم هو الذي يحتاج إلى رفق ورحمة وإيضاح للحق معاملة له بالحال التي تناسبه.
القسم الثاني: عالم بالحكم ولكن عنده شيء من التفريط والإهمال والغفلة وهذا القسم نوعان:
1)نوع يأتي بعد ارتكاب المخالفة وقد صحى ضميره وانتبه قلبه وثاب رشده يريد معرفة ما يلزمه ويبحث عن طريق الخلاص من ذنبه فهذا النوع يحتاج لطريقة خاصة للتعامل معه وتشجيعه وهدايته والرفق به وفتح آمال المستقبل أمامه وتثبيته على الاستقامة حتى يشعر بحلاوة السهولة واليسر فيستمر في إحياء قلبه وإزالة أثار الرجس، والمخالفات فلابد من استعمال الحكمة معه بما تقتضيه حاله.
2)النوع الثاني المستمر في تفريطه وإهماله وغفلته ومخالفته وهذا يحتاج لوصفة خاصة لأنه مازال مريضًا، وربما وقع في أمراض أخرى فالحكمة معه معرفة الأمراض التي تلبس بها وإدراك الأغراض التي تنذر بوقوعه في أمراض أخرى واستعمال الحكمة معه لمعالجته بحسب الحال التي هو فيها.
القسم الثالث: العالم الذي يتلبس بشيء من العناد والكبر ويتمتع بجرأة فائقة في رد الحق أو التردد في قبوله وربما تجاوز إلى دفعه ومحاربته وقد يمارس الجدل ويتستر بغطاء حق فيما يظهر للناس لكنه يريد بمزاعمه تلك الباطل، وهذا أنواع كثيرة أيضًا يحتاج العلماء والدعاة لمعرفة الحكمة في إدارة الدعوة معهم وكشف خفاياهم وزيفهم وإيضاح كل ذلك بحكمة وبصيرة.
هذه الأقسام إذا أدركناها عرفنا أنه ليس من الحكمة أن نسوي كل قسم بالآخر بل لابد أن ننزل كل قسم منزلته في خططنا الدعوية والعملية، وقد أصل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المنهجية بقاعدة مهمة تدرك من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه يوم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حيث قال له:"إنك تأتي قومًا أهل كتاب"وقصة بعثة معاذ إلى اليمن بكاملها منهج متكامل تحتاج لرصدها بكاملها من قبل الدعاة لأن فيها من منهج الحكمة الشيء الكثير.
وعندما نتأمل في الجملة التي قدمناها من قصته نلحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك، ليكون معاذ على خبرة ودراية بحال المدعوين فيضع له منهجًا لإيصال الحق لهم وخطة لإيصال العلم إليهم فبدأ من حيث يحتاجونه لا من الصفر وهذا يعني أن على الدعاة والعلماء أن يدركوا الأرضية التي يقف عليها المدعو وذلك لا يتأتى دون دراسة ما يحيط بالمدعو من أحوال وأوضاع تسهل إيصال الحق إليه وتعمل بالحكمة والموعظة الحسنة لتجلية ما خفى فإن عرف أن المدعو يريد المكابرة والاستكبار والنفور والتعدي على الحق، كان من الحكمة منع الاستكبار والتعدي ومنع الطرق الملتوية التي ينفذ منها هذا القسم بقصد تجميد الحق وتفسيخه أو إزالته بالكلية وإن زعم الاستقامة والامتثال: وفيما يلي نضرب بعض الوقائع من عمل صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم في استعمال الحكمة في الدعوة والبيان في أمثلة تدلنا على حاجة العلماء والدعاة للدراسة والتأصيل في حال وقعنا ومعرفة ما نحتاجه حتى نوصل الحق لمريديه ونحميه من المعتدين عليه وفق منهجية الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبعيدًا من سلوك تفسخ القائلين والمفتين لما يحدث من حرب للدين وقيمه بما يصدرونه من أحكام مجانبة للحق في قولهم للمعتدين على الحق: ( هذه أمور داخلية تخصكم لا ندخل في قضاياها)