فهرس الكتاب

الصفحة 6721 من 27345

وحتى نبعد عن النوم العميق الذي يمارسه كثير ممن يعدون في الدعاة ويحسبون على العلم وأهله بما يمارسونه من تفسير للحكمة بطريقة سلبية أدت إلى ظهور تفسخ الباطل وانتشاره بنشوة تحت ظل ممارسة ذلك السكوت الرهيب الذي يمارسه فريق من حماة الحق تحت مسمى الحكمة دون معرفة مواضع وضع الحكمة بل إنهم جعلوا من الحكمة أن لا حكمة وأصبح يمارس البعد عن الحق والاعتداء على الدين تحت سمع وبصر هذا الفريق الذي قعد للمعاندين قاعدة الدين يسر"ويسروا ولا تعسروا"ليأتوا بها على لسان هذا الفريق بعد كل منكر يقترف وبين يدي كل إثم يراد له أن ينتشر ويسمون كل هذا حكمة. كما أننا نريد من ضربنا للأمثلة محاربة ظاهرة سلوك العنف المطلق بحجة الحكمة أيضًا في حماية الحق وإبرازه وفرضه تحت مبررات كثيرة تستعمل جانب القوة وتنسى الجمع بين أدلة العقوبة وأدلة العفو ولا تتأتى الحكمة إلا في الجمع بين الأدلة ومعرفة إنزال النصوص على أحكامها ومتى يكون العفو ومتى تجب العقوبة

فإلى الأمثلة التالية:

المثال للقسم الأول: أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث انس بن مالك رضي الله عنه: أن أعرابيًا دخل المسجد ثم جعل يبول فأخذت الصحابة الغيرة، فنهوه وصاحوا به، ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أوتي الحكمة في الدعوة قال لهم:"لا تزرموه", أي دعوه لا تقطعوا عليه بوله.

فلما قضى الأعرابي بوله أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه أي على بول الأعرابي ذنوبا من ماء- أي دلوًا من ماء - ثم دعا الأعرابي وقال له: إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن وذكر الله عز وجل

وزاد الإمام أحمد وغيره في روايتهم أن هذا الأعرابي قال: [اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا]

وصف عام للمشكلة:

رجل جاهل جاء من البادية بعد أن سمع بالإسلام جلس في المسجد لغرض الاستماع والمعرفة تحرك البول في مجراه، فأخذ الأعرابي جانبًا من المكان الذي يجلس فيه القوم و فشج ليبول نزولًا على ما تعارف عليه الأعراب في باديتهم من عدم البعد عن الأنظار إذا كان قضاء الحاجة يقتصر على مجرد البول، لخلوه من صدور الأصوات المؤذية وخلوه من ريح العذرة الذي يتأذى منه الناس ،والأعرابي يجهل كثيرًا من أعراف الحضر في إراقتهم البول بعيدًا عن أعين الناس أو في أكنفة خصصت لذلك، بل تعود على إراقة البول أينما تحرك لأنه ولد وعاش في فضاء واسع تزيل الرياح والشمس والأمطار آثار ما يريقه وتغطيه، ومن هنا عندما تحرك البول انتحى جانبًا وشمر إزاره ليريقه وليعود للسماع بل ربما يكون حرصه على سماع ما يدور هو الذي جعله لا يبتعد كثيرًا0 وفي الجانب الآخر تحركت جوانب الغيرة التي رأت أن في هذا إضافة إلى تنجس المكان قلة ذوق وسوء أدب لأن المكان مسجد والوضع أنهم جلوس مع صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وفي ذلك مخالفة أيضًا لأعراف أهل المدن من البعد والتخفي عند كشف العورة وهذه أمور حث عليها الإسلام، هنا كانت المشكلة فلهذا ثاروا عليه ثورة رجل واحد ووثبوا عليه وثبة الأسد.

الخلاصة هنا:

جاهل وفد من البادية ومارس أشياء ينكرها الدين والعرف والذوق، وفي عرفه هو غير منكرة وهو يجهل الدين0لكن ثار عليه العلماء العارفون للحكم الشرعي لمخالفته للشرع، وتجاوزه لما تعارفوا عليه من أدب بين صاحب الرسالة ولما نمى بينهم من ذوق في عدم الظهور عند ممارسة قضاء الحاجة من أهمية البعد والتستر.

وهنا تبرز حكمة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم في معالجة المشكلة، فيأمر فورًا بكف الأذى المتوقع على الأعرابي نتيجة لزجره من قبل العالمين ويدرك حاله وعرف أهل البادية، ثم ينتقل إلى إزالة أثار العمل الممارس والتوجيه للمنكرين، ثم تعليم الأعرابي كيف يتعامل في مستقبل حياته فيما إذا أراد قضاء الحاجة بحكمة عالية، جعلت الأعرابي يتوجه بالدعاء المحصور والمقصور عليه وعلى صاحب الرسالة وهذا يدلك على مدى النفسية التي جعلته ينظر بها إلى معالجة الوضع من قبل الرسول ـ صلى الله غليه وسلم ـ ومن قبل الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

وفي هذه القضية أمور شتى للعلماء والدعاة منها:

أولا:- الغيرة على الدين واجبة على كل أحد وإنكار المنكر لازم على كل من عرفه ولا يجوز إقراره والسكوت عنه لمن فقهه وعرفه بل الواجب المبادرة بالإنكار على فاعل المنكر، لكن بشرط أن لا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أعظم منه أو تكون نتيجة الإنكار أكثر ضررًا، حتى تزول المفسدة الكبرى ولهذا زجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصحابة عن أن ينهوا الأعرابي ويصيحوا به ولابد من معرفة دوافع وقوع المنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت