التوبة وحسن الظن بالله ... ... ...
الشيخ فرج البوسيفي"خطبة جمعة ... ..."
ليس من الإيمان في شيء سوء الظن بالله سبحانه، وخاصة من أصحاب الذنوب والكبائر، فعيب على أحدنا أن ييأس من روح ورحمة الله، ويصرّ على الكبائر، ملبّسًا عليه شيطانه ونفسه والهوى أنه بهتك ستره لن يغفر له ربُّه، وإذا زجرته أو نصحته أظهر لك يأسه وقنوطه من رحمة الرحيم، ورب العالمين يغفر الذنوب جميعًا، إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:48] ، إن الذي فرض علينا ترك المنكرات فرض علينا الاستغفار إذا وقعنا فيها: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:110] . يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن الذي يدعو ويرجو المجرمُ؟!
إن الإنسان بفطرته وطبيعته يحدث منه النسيان والخطأ، وإن العصمة من الخطأ ليست في مقدورنا، إنما الذي في مقدور الجميع أن يجدد العقد مع الله، وأن يصلح ما أفسد وفرط في جنب الله، وليعلم المؤمن أن رحمة الله سبقت غضبه، إنه رحيم بعباده، فارحموا ـ أيها الناس ـ أنفسكم، ارحموها بالتوبة، ارحموها برحمة عباد الله، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء.
كن عبدًا ربانيًا، رحيمًا بنفسك وبالمؤمنين، ولا تيأس من رحمة الله، فقد جاء في الحديث الصحيح: (( إن لله سبحانه وتعالى مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والطير والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وأخر تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة ) ).
أيا رب عفوًا عن ظلوم لنفسه رجاك وإن كان العفاف به أولى
سألتك يا مولى الموالي ضراعة وقد يضرع العبد الذليل إلى المولى
لتصلح لي قلبًا وتغفر زلّة وتقبل لي توبًا وتسمع لي قولًا
ولا عجب فيما تمنيت إنني طويل الأماني عند من يحسن الطولا
حسن الظن بالله ورجاء رحمة الله لا يعني أبدًا أن نخدع أنفسنا بالأماني والإصرار، إنما معنى ذلك أن الإنسان منا كلما أحدث ذنبًا يحدث له توبة ورجاءً في الله أن يكفر عن آثار خطيئته، وأن يعزم العزم الأكيد أن لا يعود.
إن كثيرًا من الناس يظن مع عظيم ذنبه أنه يخلد في النار، أو واجب في حقه دخول النار، وهذا سوء أدب مع الله وفساد في العقيدة، والله يعامل العبد على حسب ظنه بالله، فليظن خيرًا، وجاء في الحديث: (( إن الله يستخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقول: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء ) ).
يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعدّ لكل ما يتوقع
يا من يُرجى للشدائد كلِّها يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول: كن امنُن فإنّ الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأيّ باب أقرع؟!
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن تقنط عاصيًا الفضل أجزل والمواهب أوسع
يا أهل التوحيد، أخلصوا أعمالكم لله، وأحسنوا ظنكم بربكم، واعلموا أن اليوم عمل وغدًا جزاء، ومن زرع حصد، ومن جد وجد، من أراد أن يعامله الله معاملة الرحمة والغفران فليرحم عباد الله، ويغفر لهم أخطاءهم ولا يقسو عليهم، ومن لم يقرع أبواب التوبة وظلم العباد وأهلك الضرع والزرع وأفسد في الأرض وأصر على ذنبه ولعب بدين ربه ثم يرجو رحمته لا شك أن هذا متلاعب مستهزئ بالله ودينه.
خافوا ذنوبكم، وارجوا رحمة ربكم، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53] .
تُب وثُب وادع ذا الجلال بصد ق تجد الله للدعاء سميعًا
لا تخف مع رجاء ربك ذنبًا إنه يغفر الذنوب جميعًا