الشيخ / عبدالله بن مانع العتيبي 14/10/1423
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلل له ، ومن يضلله فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد .
فقد اشتدت الحاجة إلى إبراز كلام أهل العلم في مسألة الجمع في الحضر لأجل المطر ، وما ذلك إلا لكثرة الكلام في هذه المسألة وعدم معرفة السبيل السوي لدى كثير من الناس، والواجب على العلماء وطلاب العلم إظهار العلم للناس ، فإن وجود العلم في الكتب ليس علمًا ، العلم القول والعمل والاعتقاد الصحيح.
وقد جمعت كلامًا نفيسا - أغلبه - لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة وما تعلق بها اسأل الله أن ينفع به كل من رآه ،وأصل هذا الكلام هو حديث ابن عباس المخرج في الصحيحين وغيرهما ولفظه: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا ،والمغرب والعشاء جميعًا من غير خوف ولا سفر ،وفي لفظ و لا مطر ، وفي لفظ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
قال شيخ الإسلام رحمه الله (24/76) "وبهذا استدل أحمد رحمه الله على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى وهذا من باب التنبيه بالفعل ، فإنه إذا جمع ليدفع الحرج الحاصل بدون الخوف والسفر والمطر فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع . والجمع لها أولى من الجميع لغيرها".
وقال رحمه الله (24/84) "فقول ابن عباس جمع من غير كذا ولا كذا ، ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب بل إثبات منه لأنه جمع بدونها ، وإن كان قد جمع بها أيضًا ، ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر وقد جمع بعرفة ومزدلفة من غير خوف ولا مطر".
وقال أيضًا ( 24/76 ) "ومما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر - وإن كان الجمع للمطر أولى بالجواز - ما رواه مسلم من حديث حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق قال خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس ، وبدت النجوم ، فجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة فجاء رجل من بني تميم لا يفتر الصلاة الصلاة فقال: أ تعلمني السنة لا أم لك ؟ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يجمع بين الظهر والعصر ،والمغرب والعشاء قال: عبد الله بن شقيق فحاك في صدري من ذلك شيء ، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته . ورواه مسلم من حديث عمران بن حدير عن ابن شقيق قال: قال رجل لابن عباس"الصلاة فسكت ثم قال الصلاة فسكت ثم قال: لا أم لك أتعلمنا الصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ !"فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر ، قد استدل بما رواه على ما فعله ، فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر ، ولكن كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته ورأى أنه إن قطعه ونزل فاتت المصلحة ، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر ، بل للحاجة تعرض كما قال"أراد ألا يخرج أمته"ومعلوم أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضًا ، فإنه لو كان جمعه لسفر لجمع في الطريق ، ولجمع بمكة كما كان يقصر بها ، ولجمع لما خرج من مكة إلى منى وصلى الظهر و العصر والمغرب والعشاء و الفجر ، ولم يجمع بمنى قبل التعريف ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى ، بل يصلى كل صلاة ركعتين غير المغرب ، ويصليها في وقتها ."
ولا جمعه أيضًا كان للنسك ، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم ، فإنه من حينئذ صار محرمًا ، فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر ، فهكذا جمعه في المدينة الذي رواه ابن عباس ، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته ، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا"."