وقال رحمه الله يرد على من زعم أن جمعه بالمدينة ، كان صوريًا قال ( 24/54) "ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها ، فإنه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث من المغرب ، ويريد مع ذلك ألا يطيلها ، وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك ، وإذا دخل في الصلاة ثم بدأ له أن يطيلها أو ينتظر أحدا ليحصل الركوع والجماعة لم يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت ، ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب الأشياء علمًا وعملًا ، وهو يشتغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة ، والجمع شرع رخصة ودفعًا للحرج عن الأمة ، فكيف لا يشرع إلا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة ، فعلم أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا أخر الظهر و عجل العصر وأخر المغرب و عجل العشاء ، يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم أنه لا يسلم من الأولى إلا قبل خروج وقتها الخاص ، وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر أول وقت العصر وإنما يعرف على سبيل التحديد بالظل ، والمصلى في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ، و لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلّم آلات حسابية يعرف بها الوقت ، ولا موقت يعرف ذلك بالآلات الحسابية ، والمغرب إنما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك ، وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب ، فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب ، بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم معه أنه يسلم قبل خروج الوقت ، ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يراعيه بل ولا أصحابه ، فهؤلاء لا يمكن الجمع على قولهم في غالب الأوقات لغالب الناس إلا مع تفريق الفعل و أولائك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل وهؤلاء فهموا من الجمع اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين و أولائك قالوا لا يكون الجمع إلا في وقتين ، وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل ، وكلا القولين ضعيف."
والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا ، والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة ، وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع في مزدلفة ، وفي بعض أسفاره ، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين ، وقد تقعان معًا في آخر وقت الأولى وقد تقعان معًا في أول وقت الثانية ، وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا ، كل هذا جائز لأن أصل المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة ففي عرفة ونحوها يكون جمع التقديم هو السنة وكذلك جمع المطر السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية ؟ على وجهين .
وقال الحبر البحر الخزاني ( 24/80 ) "وكيف يليق بابن عباس أن يقول فعل ذلك كيلا يحرج أمته والوقت المشهور هو أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه ، وكيف يحتج على من أنكر عليه التأخير لو كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل (1) وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها ، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يغنيه عن هذا ."
وإنما قصد ابن عباس جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء ليبين أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره ، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة ، ثم ابن عباس قد ثبت عنه في الصحيح أنه ذكر الجمع في السفر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر سيره ... فعلم أن لفظ الجمع في عرفه وعادته إنما الجمع في وقت إحداهما ، أما الجمع في الوقتين فلم يعلم أنه تكلم به ، فكيف يعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك ؟.
وأيضًا فابن شقيق يقول حاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته ، أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت ؟ وأن العصر لا يجوز تقديمها إلي أول الوقت ؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علما حتى يحيك في صدره منه ؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره حتى يسأل عنه إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه وإنما وقعت الشبهة لبعضهم في المغرب خاصة وهؤلاء يجوزون تأخيرها إلى آخر وقتها ، فالحديث حجة عليهم كيفما كان.