فهرس الكتاب

الصفحة 14519 من 27345

مواقع أخرى*

أراد أحد هم أن يلخص رأيه في حسن الترابي فقال عنه:"إنه من أفضل المفكرين في العالم، ومن أسوأ السياسيين فيه كذلك".

ورغم ما في هذا الوصف من مبالغة واضحة فإنه الكلمة الافتتاحية الأنسب لفك شفرة حياة الرجل؛ ومن ثم فهم ومعرفة طبيعة وأبعاد هذه الشخصية التي ملأت الدنيا، وشغلت الناس في عالمنا الإسلامي، وربما العالم كله طوال عقد التسعينيات المنصرم، كذلك تفهم واستيعاب ما انتهت إليه تجربته والتجربة الإسلامية عموما في السودان التي يصعب تصورها بشكل صحيح إلا من خلال إدراك العلاقة الجدلية بين الفكر والسياسة في حياة هذا الرجل.

البداية.. تدل على المسيرة

سافر لأوربا، وتنقل بين أكثر من بلد فيها، فنال الماجستير من جامعة لندن والدكتوراة من جامعة السوربون، وحصَّل صنوفا شتى من المعارف والثقافات الغربية حتى عده خصومه من الإسلاميين متغربا، وليس شيخا أصوليا.

وُلد د. حسن عبد الله الترابي سنة 1932 لعائلة كبيرة في منطقة كسلا عُرفت بالعراقة في العلم والدين، فكان والده أحد أشهر قضاة الشرع في عصره، وأول سوداني حاز الشهادة العالمية. وجمع في مقتبل حياته أطرافا من العلوم والمعارف لم تكن ميسرة لأبناء جيله خاصة في السودان؛ فتدرج في سلك التعليم حتى حصل على شهادة عليا في القانون. سافر بعدها لأوربا، وتنقل بين أكثر من بلد فيها، فنال الماجستير من جامعة لندن والدكتوراة من جامعة السوربون، وأجاد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وحصَّل صنوفا شتى من المعارف والثقافات الغربية حتى عده خصومه من الإسلاميين متغربا، وليس شيخا أصوليا.

وبعد عودته إلى وطنه تولى الترابي عمادة كلية الحقوق بجامعة الخرطوم لتبدأ محطته الفكرية والحركية الأولى، إذ جاءته فرصة تولي القيادة الفكرية والحركية للحركة الإسلامية بعد أن استقال"الرشيد الطاهر"المراقب العام للإخوان المسلمين من منصبه سنة 1964، وتحول إلى حزب الأمة ليصبح بعدُ نائبا للرئيس النميري!

الجانب المفكر!!!!!

والترابي المفكر (وليس السياسي) يعتبره الكثيرون المفكر الأول -في جيله- الذي استطاع على المستوى النظري بلورة رؤية فكرية متكاملة منفتحة على العالم. مقتربة من الواقع، قادرة على الاستجابة لتحديات العصر أيا كان تقييمنا لتفاصيلها على الرغم من أنه حينما حاول تطبيقها بنفسه جاءت أقل كثيرا مما توقع أشد خصومه!

والترابي في كتاباته أقل منه كثيرا في محاضراته وخطبه، يصفه من سمعوه -بمن فيهم خصومه- بأنه ذو شخصية آسرة، متحدث بارع، يجيد الخطابة، فصيح اللسان، سريع العارضة، قوي الحجة، واسع الثقافة، لديه القدرة على أن يخلب أذهان مستمعيه، ومع ذلك فإن كتاباته تُعدُّ -مقارنة بالكتابات الإسلامية التي صدرت متزامنة- على درجة من الأهمية بما تحمله من أفكار ونظريات تجديدية، حتى إن عبد الوهاب الأفندي في كتابه"ثورة الترابي: الإسلام والقوة في السودان"وهو يقرر أن الحركة الإسلامية لم تقدم في فترة السبعينيات أي كتاب له قيمة.. يستثني كتاب الترابي"الصلاة عماد الدين"الذي كان المحاولة الأولى -وإن وصفها بأنها محاولة خجولة- لإنتاج عمل أيديولوجي ذي قيمة!

ملامح مشروعه

لأفكار والآراء التي قدَّمها الترابي تحت نفس العناوين جاءت في معظمها مخالفة ومفارقة تماما لكل ما شاع واستقر في أوساط هذه الحركات بل ولدى المؤسسات الدينية

رغم أن المشروع الفكري للترابي يقوم على فكرة محورية أساسها تجديد الدين، وهو التجديد القائم على فهم الواقع والتغيرات والتجارب الإنسانية والتوفيق بين الثابت المطلق والمتغير النسبي، وهي نفس المنطلقات التي اتخذتها الحركات الإسلامية عنوانا لمشروعاتها الفكرية.. فإن الأفكار والآراء التي قدَّمها الترابي تحت نفس العناوين جاءت في معظمها مخالفة ومفارقة تماما لكل ما شاع واستقر في أوساط هذه الحركات بل ولدى المؤسسات الدينية الرسمية أيضا.

فالترابي لا يتردد في كتابه"تجديد الفكر الإسلامي"عن الهجوم على الفكر الإسلامي ووسْمه بالإغراق في التجريدية، والخروج من التاريخ، والانفصال عن الواقع، ويعتبر أن هذا الفكر"القديم"كان استجابة لعصور مضت لم تعد موجودة الآن؛ ومن ثم فهو بحاجة إلى تجديد شامل يتجاوز الشكليات والمظاهر التي افتتن بها المفكرون الإسلاميون المعاصرون؛ الذين لا يتردد الترابي في الهجوم عليهم ووصفهم بالقصور وضعف القدرة على التنظير والتفكير؛ مثلهم مثل بقية أبناء الحركات الإسلامية التي يطولها اتهام الترابي بالجمود والقصور الفكري، كما أن قادتها -في رأيه- أهل ثقافة وإدارة وسياسة أكثر منهم أهل علم وتفكر وتأمل، وهو ما قد يعني-وربما كان هذا المقصود- أحقيته بلقب المنظر والمفكر الأوحد للحركة الإسلامية؛ على الأقل في بلده السودان!

سقف التجديد.. سماء مفتوحة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت